فنجان قهوة – شركاء في الحب! بقلم: يسرى الفخرانى

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

كانت تتصور أنها ستموت في اليوم نفسه الذي يموت فيه. هو ليس فقط زوجها.. هو كل شيء في حياتها. كل شيء.. الحب الذي عرفته وهي في الخامسة من عمرها.. الأخ الطيب الذي حرمت منه.. العائلة التي زرع معها بذورا في أرض بور حتى شقت السطح بأوراق خضراء لامعة

نحيفة بهذا الجسد الذي يليق بعارضة أزياء روسية في عرض أزيائها الأخير قبل الاعتزال.

قبل أن تصل إلى عامها الأربعين اتبعت نظاما غذائيا قاسيا جعلها تبدو ممشوقة مرسوما على وجهها بقلم رصاص شخبطة خفيفة ترسم سنوات العمر التي لم تحاول أن تخفيها.. لكنها كانت فقط تخاف منها.

هكذا كانت تدخر العمر له ولها بعد أن يكبر أطفالها الثلاثة ويذهب كل رجل إلى بيته. كانت تقول لزوجها: أريد أن أعيش معك شهرا جديدا من العسل. تؤمن أن الحلم منحة من الله لكي يستمر الإنسان في الحياة دون شعور بالألم. كانت تحلم. الحلم في تفسيرها جزء من اللعبة التي نمارسها في حياتنا لكي نستمر في البحث عن السعادة. وهي فيلسوفة بين أصدقائها يسألونها المصير في حياة غامضة. ودائما ترد بتلك الابتسامة الصافية للغاية التي تشبه البحر في سبتمبر وهي تهمس: لا أحد يصل إلى السعادة.. فقط نبحث عنها. يكفينا أن نبحث عنها. حين نكف عن البحث عن السعادة نصبح تعساء. نتحول من طائر قوي لديه إرادة السفر من وطن لوطن.. إلى كائن ضعيف هزيل يموت فى المنتصف.. ويسقط.

تزوجت شوقي ولم يكن على قدر من الوسامة التي تليق بامرأة جميلة مثلها. يكفيه رجولته. قالت لأمها وأختها وأصدقاء عمرها حين سألوها: لماذا شوقي؟

فهو أبعد ما يكون عن فتى أحلام أي بنت. لكنه رجل. وهذا يكفيها لكي تعبر به البحار مهما كانت عاصفة، في الذاكرة كان هناك ماض للقصة. هو جارها الذي وعت على الحياة معه. ضفائرها الطويلة كانت تجر معها يقظة وحيوية لطفلة أيقن الجميع جمالها قبل الأوان. تلعب معه.. وحده يجعل ألعابها الصغيرة لها معنى أجمل لأنه على رغم طفولته التي تسبق سنوات عمرها بخمس سنوات فقط إلا أن لديه إحساسا عميقا بالأشياء. يكسوها مشاعر. حين أخبرها أنه مسافر أو مغادر إلى بلد آخر مع عائلته. ربما إلى الأبد. كان في يقينها أنه سيعود وأنهما سيلتقيان مرة أخرى. كان حزينا جدا وكانت تقول له سنلتقي. كان عمرها في لحظة الفراق خمسة عشر عاما ولابد أنه في هذه اللحظة أدرك وأدركت معه أن دودة الصداقة تنسلخ عن شرنقتها لتتحول إلى فراشة حب.

عشر سنوات فاصلة بين الوداع الذي ترك ملمس الجرح في أصابعهما.. وبين اللقاء مرة أخرى.

عشر سنوات ـ في واقع الحياة ـ تقتل أي مشاعر أو على الأقل تغيرها. إن لم تتدخل سنوات العمر التي أضيفت لتغير العلاقة. تطفئ ما اشتعل في القلب من حب. في هذه السنوات ـ للعلم فقط ـ لم تقدم الشركات الكبيرة للمحبين خدمة التواصل على الفيس بوك أو الإيميل أو رسائل التليفون. كانت المشاعر توصف وتنقل وتصل بالورقة والقلم. وكان يكتب لها مرة كل أسبوع حتى اندهش ساعي البريد من دقة المواعيد التي يسلم بها الرسالة من نفس الشخص كل يوم خميس. حين عاد هذه المرة وحيدا مع حقيبة سفر سوداء ضخمة تحمل كتبا وبعض ملابس وأدار المفتاح في باب شقته المواجه لباب شقتها. كانت تنتظره شابة في الخامسة والعشرين من عمرها. تخلت عن ضفائرها إلى أنوثة خالصة. سرحت شعرها عند محمد الصغير فبدت أنثى مكتملة ناضجة. كان مشهد اللقاء ـ كما تصفه لأبنائها بعد عمر ـ كما الارتباك أمام عاصفة قوية. كنا نعرف موعدها مسبقا. لكننا لم نعرف كيف نتصرف. ماذا نقول؟ ولماذا نصمت؟ ولأي الأسباب نضحك ثم نبكي؟ ثم نتمنى أن نحتضن بعض بقوة ونمنع أنفسنا في نصف اللحظة الأخيرة.

تزوجا بعد ثلاثة أشهر من العودة. هي التي طلبت قلبه للزواج. ربما هذا هو القرار الجريء الوحيد الذي قامت به في حياتها. لم يندهش من طلبها بقدر ما طلب منها أن تأخذ فرصة للتفكير في الزواج منه. كان حبها هو النقطة التي توضع في نهاية فصول الرواية لتبدأ فصولا جديدة. الأشياء في الحياة لا تبدأ إلا بنهايات أشياء أخرى. قالت له بابتسامة خجولة لم تفارقها حتى الآن: التجربة تستحق أن نطفو فوق سطح الماء لنتعلم السباحة معا. قال لها: وهل قصتنا تجربة.. أم أننا نحاول أن نجعل تجربتنا قصة؟. قالت له: كفاية فلسفة.. الفلسفة تأكل طعم الحياة. قال لها: لكن أنت التي جعلتيني أحب الفلسفة.. كل فكرة عندك فلسفة. قالت تطوي الكلام: سنتعلم كيف نعيش الحياة معا كما يقول الحلم.

سألها ابنها البكر ياسين وهو يقاوم دموعا في عينيه: هل سار الحلم كما تمنيت؟ قالت: كل وقت كان له حلمه.. لكن كان هناك دائما حلم أجمل نطارده.

أجمل ما فيها صوتها وهي تحكي. تلك المدربة على الفرح والحزن. كيف تملك صوتا مطرزا بالأمل.. كل هذا الأمل دائما. كان الرجل الحلم بكل رجولته لا ينجب. حير الأطباء معه. حتى أنقذهما طبيب شاب صنع ما يشبه التجربة. فشاء الله أن تشعر بجنينها الأول يتحرك داخلها. كان يوما أو كانت ليلة أو كانت قصة جميلة ترويها لأطفالها عن ملائكة لهم قلوب بيضاء وأجنحة خضراء يرسلهم الله لكي يحققوا أحلامنا التي نضعها تحت وسائدنا كل ليلة قبل النوم.

سبع سنوات بين يأس ورجاء لكي يتحرك جنين في رحم من كثرة الاشتياق.. يبكي.. شعرت أن جنينها هو شوقي. عاد يتكور في رحمها لكي لا تحزن. سألت الله أن يكمل أمورها على خير. سألته أن يرزقها بدلا من الطفل ثلاثة. أبواب السماء مفتوحة دائما لمن يملك يقينا. حين أنجبت ياسين رأت في وجهه خليطا مدهشا بينها وبين شوقي. تأملت تلك الملامح الصبيانية المبكرة وبكت. لديها ـ في هذا الوقت ـ شيء يشبه الألم يوقظ خوفها من المستقبل.

عاشا القصة حتى أنها أصبحت تشبه بعضها. ويشبهان بعضهما أيضا. طفل يولد بعد عناء. وسعادة تمسح حبات الأرق من جبينها. وسنوات تمضي. حياة هادئة لطبيب في الجراحة ودكتورة في الفلسفة وثلاثة أطفال. هناك فقط عند بعض المنحنيات في الحياة تسكن مشاكل بعضها للحل وبعضها للألم. وهي هي تماما. قادت كل مشاكل المنحنيات إلى حلول سهلة منطقية عابرة. إلا عندما عرفت أن امرأة أخرى دخلت حياته ـ الحقيقة حياتها ـ لكي تتسلى بعائلة سعيدة. ما هو طعم انتصار امرأة تلعب في قلب امرأة أخرى مستقرة؟ لم تسأل نفسها من بدأ قبل من؟ هو بدأ بالبحث عن تلك اللصة لكي تسرقه؟. أم هاجمت اللصة ممتلكات غيرها لكي تنهش وتنهب؟ سألت سؤالا أدهشها: ما الذي أهملته لكي يبحث عن أخرى؟

لا تعرفونها إلا عندما تعرفون ماذا فعلت. إنها مدربة على الطرق القصيرة للحقيقة. وتؤمن أن الحصول على الحق لا يتطلب أكثر من اختصار الطرق الطويلة بمواجهة. قالت له إذن: لماذا غيرها في قلبه؟

كان يعرف أنها ستعرف وأنها سوف تكون امرأة مباغتة كعادتها فلم يندهش. قال بكل هدوء: امرأة اخترتها بعد أن بادرت أنت باختياري من سنوات طويلة؟

قالت هادئة تماما: تصورت أننا اخترنا معا؟. قال: كنت أحبك.. لا أنكر. لكن كنت أتمنى أن أختار التوقيت الذي أعلن فيه اختياري. قالت باردة: ولماذا قبلت؟ لماذا لم ترفض؟ لماذا لم تخرج الرجل الشرقي من جيبك وتقول لي أنا أنا أنا؟ لماذا تحملت أن أختار وأن تكون شريكي وأن تكون مصدر سعادتي وعذابي؟ وأن ننجب أطفالا أنت تعلم كم تحملت لكي يرزقنا الله بهم؟ لماذا يا حضرة الطبيب الجراح لم ترفع مشرطك عند ورم الحب فتستأصله من جسدي وتستريح وأستريح؟

غادر البيت بحقيبة مودعا أطفاله. وهي تنظر له بعينين باردتين. كان يمكن أن تراجعه تساومه تهدده تعيده تدخل معركة عمر. لكن حبا كبيرا في قلبها قال لها: دعيه يصبح ذكرى. إن قلبها أيضا كان يذكرها أنها كتبت رغبتها أن تموت في نفس اليوم الذي يموت فيه. جلست تعدل الأمنية: وهل يستحق رجل أن تموت امرأة من أجله؟

ما أجمل أن نكون شركاء في الحب وفي الحياة وفي الألم وفي الأحلام الجميلة.. شركاء في المسؤولية حين تصبح شمعة مضيئة في سنوات طويلة.. حين تتحول إلى حماية عائلة وكيان يكبر مثل شجرة ترفض الاستسلام في أشد لحظات الجفاف.. شركاء نلهم بعضنا أنه مهما كان الأمر صعبا فإنه يستحق التضحية لكي نمسك بأيدينا إنجازنا الحقيقي..

هل يا عزيزي يمكن أن نتوقف في منتصف الطريق لنسأل: من بدأ ومن صنع ومن قرر؟ مارأيكم أنتم: هل هو على حق؟l

اخترنا لك