كتاب اليقظة

فنجان قهوة بقلم : يسرى الفخرانى

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

يسري الفخراني

اكتشف الحب بالحاسة السادسة!

بعض القصص الموحية تبدأ بطريقة بسيطة للغاية.. مثل هذه وكنت حاضرا بدايتها.. ياسمين، هكذا أحبت ياسمين.. كانت ضيفة حفل صغير أقامته صديقتها شذى في فيللتها بالمعادي، لا تهتم كثيرا بتلبية الدعوات التي تأتي لها بين حين وحين، تفضل أن تنغمس في وحدتها كأنها تبتعد عما يمكن أن يقال لها أو عنها في تلك المناسبات، لاحظت أيضا حين بدأت أراقبها لكتابة هذه القصة أنها كذلك لا تهتم بتفاصيل أنوثتها الصغيرة، وتوقعت أن هذا من دواعي ما تشعر به من ملل، في الصفحات التالية سوف أخفي نفسي بين السطور لأراقب ياسمين وهي تحب، وهذا من دواعي فضولي، فقد رأيتها للمرة الأولى مثلي مثلكم مثل يوسف في بيت صديقتنا المشتركة شذى، في حفل صغير ربما كان لأسباب خفية غير معلنة يوفر فرص لقاء بين بشر يلتقون لأول مرة فيستكملون التعارف في صفقات عمل أو علاقات تشبه الصداقة، ذهبت ياسمين إذن لسبب ما، وهناك رأت يوسف، كان وحيدا كما كانت وحيدة، فحصلا على مائدة صغيرة في زاوية تحت شجرة وارفة موحية، أحضر لها كأس برتقال وقطعة كيك وتكلما معا كلاما تقليديا عن الطقس والسفر وطعم البرتقال حين يكون في أول الشتاء وقطرات أولى من المطر تهبط من السماء فتجعل الشجر يرقص كطفل في خطوته الأولى، هل قلت لكم إن المطر يشتد قليلا الآن وهما في حديقة بيت شذى فيمنحها يوسف كتابا عن الحب كان معه تحتمي به بينما يقفزان معا ببهجة إلى داخل الصالون بدفئه ونوافذه الزجاجية التي تتكثف على لمعانها بخار.. فترسم عليه بأصبعها بعفوية لم تنتبه لها إلا فيما بعد.. قلب. كان قلبها ينبض!

ياسمين، ليست مراهقة، لقد عبرت الثلاثين بسنة.. اثنين.. ربما ثلاثة، هي لا تبوح تماما بعمرها الآن، جميلة لا شك جميلة، حاضرة وشهية، تحرك القلب بابتسامتها المغرية في أناقة وأدب، عرفت الحب.. عرفته، لكنها بعد فشل الحب الثالث قالت إنها لم تعرفه بعد، كان الحب من أمانيها منذ أطفأت شمعة يوم ميلادها الخامس عشر، تحب الحب.. تحتوي صوته إذا همس، ورغباته إذا حضرت، وتسلله إلى جسدها في رعشة مضيئة إذا كان حلما مباغتا!

أضاف لها الحب رتوشا حميمية على جسدها، أضاف وهذب وزرع وقطف ومد أسلاكا شائكة، فلا اقترب غير المرغوب في وجودهم، ولا عبر المحبون أبعد من ابتسامتها الجميلة، إنها مثل شجرة الياسمين كلما تضاعفت سنواتها منحت أسرارها عطرا لا يعرف أحد من أي خباياها يولد، ولا في أي أوراقها يختبئ، حين اقتربت من الثلاثين أيقنت أن فرص الحب تتضاءل.. وتختصر، فأسرعت تتفاوض مع قلبها على أن يتنازل ويقبل ما هو قادم حتى لو كان ليس على نفس مستوى حلمها المكسور، كتبت في مفكرتها الصغيرة: الحب للمرأة هو الشعور أنها مرغوبة كما خلقها الله، حين لا يأتي الحب.. تشبه المرأة السفينة المثقوبة التي تسافر في العمر وهي تعرف أن مصيرها الغرق، تصبح المرأة غريبة مطرودة تتنقل بعاهتها بين مرافئ السنين تطلب الرحمة والشفقة!

هكذا.. هكذا، أحبت ياسمين يوسف، أضاف لها الحب بريقا، حتى في عملها كمذيعة في إف إم، كان صوتها يأتي لمستمعيها وهي تقدم لهم أغنياتها صافيا مبللا مثل زهرة تتفتح، لن تحتاج إلى تخمين عميق لتعرف أن ياسمين الآن.. تحب.

كان الفتى يوسف.. وسيما مغرورا بسنوات عمره الخمس وعشرين إلا قليلا، نعم.. نعم.. أعرف أن قارئ ما سوف يسألني هنا بالضبط بدهشة وخوف على السطر الأخير والسعيد من القصة: هل يوسف أصغر من ياسمين؟

سأجيب: نعم، هل لديك مشكلة؟! أضيف أكثر: هما لم يتصارحا بفارق السن أبدا، على الرغم أنني أثق أن الاثنين يعرفان على الأقل أن في العمر فجوة.

يوسف أحب ياسمين.. حتما، قالها لها،.. وسهر من أجلها يعد النجوم كما قرأ في الحواديت، وكما كان يخطط للحب إذا صادفه، وهي ذابت.. داخت.. غابت.. أحبت.. تلاشت.. تداخلت، بذلت بعفوية جهدا لم تقصده ـ صدقوني بعفوية ـ من أجل أن تبدو.. أصغر.. أصغر.. لم تكن تخطط وهي تذهب إلى النادي لتمارس تمرينات عنيفة.. إلى صالون التجميل لقص وصبغ شعرها.. إلى بيوت الأزياء لاختيار فساتين ملونة.. لم يمر في خاطرها أن تختصر سنوات عمرها من أجله.. من أجل فارق العمر، هي على الأقل لم تعترف بذلك ولا لنفسها.. هل تعترف فتجرح بنفسها.. مشاعرها المتفتحة الآن في حب يوسف!

كان حبا، هل قلت كان، أعتذر وأصحح: هو حب بكل ما فيه بين اثنين من مناورات ومواعيد وغضب وألم وعودة وتسامح وعتاب، حب كبير قوي خاص خالص مختلف، يهز القلب بعنف حنون.. ويرش الجسد بماء معطر.

يوسف.. أحبها، لا شك في حبه الذي اعترف به لها ولصديق طفولته ولشقيقته ولي في رسالة أضاف لها مشاعره لأصدقه وأتعاطف معه في فارق السنوات الثمانية أمام نفسه وأمام القراء وأمام أمه أقرب الناس له، حين يحكي لها قصته مع ياسمين ويطلب الإذن بالزواج منها.

وياسمين.. أحبته، اعترفت بحبها لمستمعيها وصديقتها شذى وزميلتها في العمل مدام جيجي، هل قلت لكم من هي مدام جيجي؟

إنها امرأة خمسينية العمر تقريبا لعبت دورا مهما للغاية في حياة ياسمين، لقد أنقذتها أكثر من مرة في سنوات سابقة من نوبات اكتئاب عنيفة كادت تعصف بالزهرة في موسم ربيعها، أجبرتها على أن تعيد النظر في الحياة حتى وهي تضغط بكل يديها على رأسها لتغرق في ماء راكد، ولها الفضل أنني في تلك القصة لم أطلق وصف امرأة تعيسة على ياسمين حين أكتب عنها في أشد المواقف ألما، وأكثر.. لقد اعترفت مدام جيجي لها يوما في استراحة غذاء من باب المواساة وربما العلاج النفسي أنها تعيش مع زوجها حياة زوجية لا هي تعيسة ولا هي سعيدة، حياة رمادية محايدة.. تبتلعها عن صبر لأنه لم يعد في العمر ما يكفي لمغامرات غير محسوبة.. ولأنها أم لشاب وسيم أنيق يستحق أن تتحمل من أجله حتى لا تجرحه بطلاق أو خلاف مع أبيه!

وجيجي.. هي التي نصحت ياسمين بالحب ودفعتها ودافعت عنها كأنها تنقذها من نفس مصيرها.. قالت لها: مهما كان الوقت.. الحب لا وقت له.. كل نهار انتظري حب عمرك.. وسوف يأتي لك يوما.. ولو لم يأت.. استمتعي بالأمل في أن الحب قادم.. بكل دفئه وكل كبريائه.

ولما أحبت يوسف.. لم تنتظر ياسمين نور الصباح، شربت مع جيجي القهوة في نافذة الفور سيزون المطلة على النيل في ليل ترشه النجوم.. وحكت لها.. حكت من أول كأس البرتقال وقطرات المطر والكتاب الذي أهداه لها، والقلب الذي سهوا رسمته على زجاج النافذة بأصبعها.. حتى.. حتى عمرها الذي يزيد عن عمره ست.. سبع.. ثماني سنوات!

قالت جيجي بهدوء وفرحة: ولو.. المهم أنك الآن معك حب حقيقي يسكن هنا ـ وأشارت لقلبها ـ ويؤلم هنا ـ وأشارت إلى بطنها.. وضحكت ضحكة لها معنى أنثوي..!

شجعتها على المضي حبا مع يوسف.. أهدتها كل خبراتها العميقة الصادقة كزوجة قديمة كانت تحب يوما.. وكأم لها شاب في مثل عمر يوسف ترصد عن قرب مشاعره واهتماماته وتفاصيله الصغيرة.. وأكثر، إذا احتارت في سؤال تبحث له ياسمين عن إجابة في علاقتها بيوسف.. سألت جيجي ابنها في براءة نفس السؤال لتعرف إجابة تنقلها في اللحظة ذاتها إلى ياسمين.. فتحل الشفرة!

إن الحب بعد الثلاثين إذا جاء مركزا مختصرا تشم رائحته حاسة فتاة تبحث عنه، فهو يبدو مثل بئر ماء يفاجئك في عز عطشك وتوهانك.. ولابد أن ياسمين قد اكتشفت الحب بحاستها السادسة.. وهذا ما أكتبه عنها الآن..

هل تشعرون الآن بخيمة الحب الوردية تجمع ياسمين ويوسف وجيجي؟

Leave a Comment