فنجان قهوة الحب على جسد مرهق! – بقلم: يسري الفخراني

يبدو الأمر كالتالي: مخجل أن أطلب منه شيئا لجسدي، هو مرهق أو زهقان، هو غارق في عمل أو مهموم مع أصدقاء، هو وحده وأنا وحدي، هو لم يعد أنا بينما أنا أتمنى أن أكون هو!

ودعت عامها الأربعين، خاضت بقدميها المجهدتين عامها الواحد والأربعين، منذ خمسة أعوام على الأقل وهي تخوض في بحر ـ كلما مر عام على عمرها ـ زاد عمقا وازدادت غرقا، هي لا تطلب أكثر من حقها الإنساني من زوجها الذي ظن أن حياته دخلت مرحلة الملل الزوجي، يبتعد فتبتعد، لمن تعتني بجسدها وهو يشهد حالات من النحر، تهب عاصفة فتأخذ من هنا شيئا كان لامعا، وتتركه يخبو مثل نجمة لم تجد من ينظر إليها أو ينتظرها، فبكت وهبطت الدموع على نورها فحجبت الكثير منه، كتبت لي رسالتها خجلة من مواجهة طبيب: هل من حقي أن أحصل على العلاقة الحميمية مع زوجي في عامي الأول بعد الأربعين؟

إنها ليست الأولى ولا الأخيرة، الرسائل من هذا النوع كثيرة ودائما التوقيع بأسماء مستعارة أو حروف رمزية، مع أن الفكرة نفسها تستحق جدا أن نناقشها في النور، السؤال ذاته من حقه أن يطرح في العلن، الحالات ـ وهي بالملايين في وطننا العربي ـ تستحق أن يكون عندها صوت لنجد حلولا، لماذا تدفع المرأة ثمن الإهمال إذا ما اقتربت من عامها الأربعين؟ لماذا تتحول إلى كيان على وشك أن تنتهي صلاحيته وربما انتهى بالفعل؟

هل وجود الرجل غالبا في عمر أكبر من المرأة بعام أو خمسة أو عشرة أعوام، يجعله يفكر بأنانية مطلقة في أن يستثمر سنوات شبابه الأخيرة في مزيد من العمل أو الغرق في الكثير من الهموم الشخصية أو الحياة في مراهقة ثانية تجعله يعتم بنفسه أكثر من أي شيء آخر؟ هذه المراهقة مرهقة له ولمن حوله، زوجته وأولاده ومن يعمل معهم أو يعملون معه، هذه المراهقة ربما ـ أو كثيرا ـ ما تفرز علاقات بنساء أخريات على سبيل استعراض قوته ورجولته ونزوات شبابه الأخيرة.

تشكو المرأة الأربعينية مرة أخرى: ماذا أفعل؟ لقد حاولت لكن كرامتي لا تسمح أن أحاول مرة أخرى، هل أتسول مشاعره، إحساسه، قلبه، وقته، اهتمامه، جسده، هذه الحرارة التي تشعل الجسد بحرية بجرأة بكل نقطة في دم ساخن، إنني بعد خمسة عشرة عاما من الزواج ـ أقل كثيرا أو أكثر قليلا ـ كيف أصبح في عينيه؟ أم وليست زوجة مثيرة تجذبه إلى علاقة شرعية جميلة دافئة مشبعة ومفرحة، لماذا يعبرني إلى نوم عميق يثير غيظي ويسيل كرامتي على الفراش. هذه مشاعري تماما: جسد متعطش لاهتمام، قلق نفسي يعكس عدم ثقة في ما وصلت له بعد هذا العمر، أتساءل دائما من أنا؟ هل ما أمر به هو نهاية حياتي؟ لماذا يقرر رجل أن يحكم على امرأة بالموت المبكر في سنواتها الأربعين؟ يصيبني صداع لا أجد مبرر له، هالات سوداء حول العين، رعشة خفيفة حول الفم وفي الأصابع، لم أعد حتى أجيد عمل المطبخ، أو بدقة: لم أعد أهتم، أريد أن أجد عالما غير العالم أهرب إليه، أرغب في دعم يملأ كل كياني، أرغب في دعم أقرب الناس لي، وإذا لم أجد فمن أي إنسان على وجه الأرض، إحساس الزلزال حين يشعر الإنسان أن الخطر حوله في كل شيء، وأن نداءه الأخير هو الصمت، إن رغباتي تزيد بقدر حرماني.

يؤكد الأطباء ومتخصصون في فن العلاقات الزوجية أن امرأة الأربعين هي المرحلة التي يعلو فيها إحساس المرأة بقدرتها على أن تكون مصدر إلهام وسعادة في حياة شريك حياتها، إنها وصلت إلى شاطئ بعد رحلة طويلة من السباحة في كل واجبات الحياة، حان لها هنا أن تبدأ الاستقرار، فقد كافحت ليصبح لها رأى، كافحت ليصبح لها قيمة، كافحت لتأخذ حقها من المجتمع المسكون بكل رغبات الذكورة وأسبابها، كافحت لتختار ـ أو لا تختار ـ شريكا، كافحت لتنجب أو لا تنجب، دخلت في مساحة تربية الأولاد بكل ما يبذل من جهد خارق لتربية طفل، كافحت لتحصل على مكان تستحقه في وظيفة أو نجاح، عند السنة الأربعين يمكن أن نحسب في المتوسط أن المرأة هكذا قضت: خمسة عشر عاما من الزواج، أربعة عشر عاما من الأمومة، عشرين عاما من العمل، خمسة وعشرين عاما من الأنوثة، خمسة وثلاثين عاما من التعليم، إنه مشوار طويل يستحق استراحة ليست قصيرة.

الأربعون يجب أن تكون سنة المكافأة لكل امرأة، مكافأة منتصف العمر وليست آخر العمر، جرعة تشجيع، نيشان امتياز، تصفيق حاد لتبقى وتستمر وتعطي أفضل ما عندها، إنها الآن في سنوات تجمع بين الخبرة والشباب، بين الحكمة والطاقة، بين الأنوثة والانفجار، بين خلاصة الخصوبة وخلاصة المراهقة، هي الآن السيدة التي يمكن أن تحكم العالم، على الأقل عالم بيت ورجل وعائلة، فكيف ننشر تحت قدميها ثقافة أن الحياة لم تعد لها، لم تعد معها، إنها تبدأ أيامها الأخيرة وليست أيامها الحلوة وأيامنا الأجمل معها؟

منتهى الظلم، لامرأة بالكاد ترفع عينيها عن الأرض لترى السماء التي انشغلت عنها بكفاح بين بيتها والناس والعمل، إنها هنا تنتظر كلمة تشجيع، كلمة حب، كلمة أمل، كلمة إعجاب، كلمة مثل كف طفل يمسح عنها تعب السنين وقلقها.

إنها ترغب أن تجد الحب في كل تفاصيل حياتها الصغيرة والكبيرة، الدائمة والعابرة، في فنجان قهوتها كل صباح، في نظرة كل من حولها، في طريقة المعاملة التي تتمنى الحصول عليها، ولن تجد أقرب من شريك حياتها لكي يكون حاضرا بقوة وذكاء، ملهما بالكلمة والتصرف الذي يعكس حبا يزداد وليس حبا يزول، إن الحب يبدأ في حياة كل اثنين متوهجا متوجا على كل نقطة في المساحة بينهما، ولا بد أنه لا يظل نفسه الحب ولا نفسها الرغبة ولا نفسه الإحساس، لكن الشركاء الأذكياء يجعلون من الحب غراما تختلط فيه عناصر كثيرة: التفاهم الذي تراكم على مدى السنوات، العشرة التي أفرزت مشاعر أكثر نضجا من المشاعر التي كانت عابرة للأيام، الأشياء المشتركة التي صنعتها الأزمات والأفراح، الأمل في الصعود الاجتماعي بقوة اثنين ارتبطا بحب وحرية.

وستبقى العلاقة في الحب، ما يسبقها وما يليها، نقطة مهمة لتبدأ امرأة الأربعين قصتها الجديدة، إنها ـ بالحب ـ تتألق أنوثتها، وهي في الحقيقة في أروع حالات الأنوثة، لكن هذه الروعة مثل المعادلة التي يتطلب تحقيقها أداء كل الأطراف بفن وإبداع وإخلاص، مشكلة هذه المعادلة أنك لا تعرف من أين تبدأ ولا أين تنتهي؟ من يبدأ ومن يرد؟

من يبتكر الكلمة الحلوة واللمسة الطيبة، من يحافظ على لياقته في الحب، من يرشق الآخر بوردة برغبة بدفء بلذة؟

إن اهتمام المرأة بجسدها في مثل هذا العمر، يبدأ باهتمامها بروحها، بثقافتها، بقدرتها على أن تتخلص من أسوأ ما فيها، والتحول إلى الأجمل، لكن هذا وحده لا يكفي، إن الحياة الجميلة يصنعها إثنان، وكل فعل ينتظر رد الفعل، ليستمر متقدا مشتعلا رائعا، السيمفونيات الممتعة كل العازفين فيها نغمة واحدة متصاعدة حتى تصل إلى الذروة.

كل امرأة أربعينية من حقها أن تعيش اللحظة الجميلة التي تختصر كل خبرة السنين لتجعلها مثل لؤلؤة جذابة، أنوثتها تسبق كل خطواتها في الحياة، ما تفقده من سنوات وفي السنوات تكتسبه طاقة من الأنوثة الحقيقية، التي تخلصت من أخطاء وتعلمت دروسا تجعلها في أفضل مراحل عمرها على الإطلاق.

المرأة الأربعينية ليست منتهية الصلاحية كما يأتي على لسان الرجال في بعض جلساتهم الخاصة، وهم يخترعون عليها النكت أو يستبدلونها بأمنيات الارتباط ببنات صغيرات في العشرين أو أقل، إنها في أوج جاذبيتها على الرغم من انحراف مزاجها الشخصي لأسباب خارج إرادتها، لكنها ـ مرة أخرى ـ في انتظار أن يعترف المجتمع أن امرأة الأربعين لا تقف على عتبة الخروج من الحياة بكل صخبها، إنما هي هناك، حيث تتألق في انتظار أصابع تقتسم معها أيام أجمل لم تأت بعد.

اخترنا لك