فنجان قهوة بقلم: يسري الفخراني

يسري الفخراني

في انتظار مريم

وتحكي:.. “عندما أنظر في وجهها الآن، كل شيء يعود كأننا لم نفترق أبدا.. كأن لم يحدث كل ما حدث.. كأن صديقتي الجميلة مريم لم ترحل وهي زهرة في أجمل سنوات عمرها.. شابة حالمة تشبه فراشات الربيع التي كانت تطاردها على شاطئ البحر. مريم لم تكن فقط صديقتي.. كانت كل ما يمكن للعلاقات الإنسانية بين اثنتين أن تكون. تستطيع أن تصف ما كان بيننا بكل العبارات الأدبية الدافئة السخية التي ترتفع بعلاقة من اثنتين إلى درجة عالية من النقاء.

مريم. الله يرحمك يا مريم. كنت سفينتي في زمن كاد فيه الطوفان أن يجرفني. تربيت في بيت عائلة مريم. هل يوحي لك الاسم بأي معنى؟ كانت عائلة مريم عائلة مسيحية تسكن الدور الأول من العمارة التي نسكنها على البحر في الإسكندرية. لحقنا الزمن الأخير لحفلات عبدالحليم حافظ في ليلة شم النسيم. نسهر.. نلون البيض ونغسل الخس والملانة، ونصنع سندويتشات الجبن المملح والسمك المملح لنحملها معا في اليوم التالي إلى البحر في أبريل.

كان يفصل بيننا خمس عشرة درجة من السلالم الرخامية.. نصعدها ونهبط منها في غمضة عين. كان الجيران يتهامسون بقصة صداقتنا: مريم وأمينة. كيف تتشابه الملامح بهذه الدرجة. كيف تندمج الاختلافات حتى تكاد ألا ترى. كان لعمارتنا الجميلة ناصية تطل على منظر البحر من كل الزوايا.. لها مدخل عميق يجلس في آخره دائما عم عبدالسميع بواب العمارة بجلباب أبيض يبدو دائما مغسولا بزبد البحر في نوات الشتاء. كان حارسنا الأمين حين نتسابق على الكورنيش الطويل بدراجاتنا.

الله يرحمك يا مريم.. وضعت ثلاث شمعات على قبرها في الشاطبي. وابتسمت وأنا أقرأ الفاتحة على روحها الطاهرة التي غادرتني منذ واحد وعشرين عاما.. كانت تقول لي دائما في أوقات أزماتها وهي تضحك في وجهي تلك الضحكة الصافية البريئة: ادعيلي.. وأقرأ لها أية الكرسي والفاتحة وأرقيها.. وتهدأ. وتشعل لي شموعا في الكنيسة يوم الأحد.. وتصلي من أجل أزماتي.. وما أكثرها.. وما أكثر ما كانت ملهمتي في أزماتي. إنها طيبة إلى حد أنني كنت أشفق عليها من طيبتها التي تشبه طفلا في عامه الأول.

ماتت أمي.. فانتقلت للحياة إلى بيت عائلة مريم. كان أبي يعمل قبطانا على سفن تغيب في البحر لأسابيع طويلة.. واخترت أن أطوي وحدتي في بيت مريم وليس أي بيت آخر. إننا ننظر للظروف التي تمر بنا على أنها الأصعب.. بينما لو كشفنا ظروف كل من حولنا ربما نراها الأسهل. لطف الله في أزماتنا دائما أعظم بكثير مما نظن ومما ننتظر، لكننا في ذروة الأزمة نكون ضعفاء إلى الدرجة التي نكاد لا نرى بها رحمة الله وهي تحيط بنا.

بكيت على أمي كما لم أكن أتصور أن بداخلي كل هذا الحزن، وكل هذه الدموع وكل هذا الضعف وكل هذا الحب والحنين لها.. فقدت نصف وزني وكل نفسي.. رحلت فجأة وأنا لا أحب المفاجآت حتى ولو كانت سعيدة.. من أي البشر كانت تخفي ألمها العظيم. وفي أي نقطة من الجسد النحيف الذي لا يكف عن الحنان كان يسكن ألمها؟

في ما بعد ألم الحزن الأولي أخبرتني مريم أن أمها كانت تعرف بمرض أمي.. وأطلعتني على سر آخر: ورقة بخطها توصي فيها أبي أن أقيم في بيت عائلة مريم حين يحدث لها ما تنتظره من رحيل.

لكنني اخترت مريم.. واخترت أن نكمل سنوات دراستنا معا.. وأن نتفتح في الحياة معا.. وأن نواجه الحياة بكل مفاجآتها معا. كانت مريم على العكس مني.. تحب المفاجآت. أو على الأقل لا تكسرها المفاجآت.. تحتويها أو تطويها.. حاولت أن تعلمني كيف أستقبل المفاجآت بهدوء لكي لا أتحول في مرة إلى فتافيت زجاج.

إن قصتي مع مريم مليئة بالتفاصيل.. كان دائما الدين فيها يسكن القلب وينبع منه. نتذكر في الأعياد من فينا سيذهب إلى حيث يصلي ويعبد الله في مكانه.. كلانا نضع طرحتنا لنرفع دعائنا إلى الله في خشوع.

الله يرحمك يا مريم.. سبقتني في وهج شبابك.. تركت لي دروسك في الحكمة.. وطيبتك التي كانت تأتي لي من مكان عميق في جسدك الذي يشبه جسد أمي.. وتركت لي مريم الصغيرة التي أشعل لها اليوم واحدا وعشرين شمعة في كعكة ميلادها.

من يملك أن يكتب القدر على مشتهاه؟! أحببنا في شهر واحد.. وللحب قصصه التي تخبئها البنات في وسادتها آخر اليوم. سبقتني إلى الحب.. وحكت لي.. سهرنا حتى أول خيوط الشمس في بلكونة تطل على بحر سبتمبر بكل خجله وجنونه. كانت القصة هي أول ما نعرف من أسرار الحب.. وصفت لي بدقة كيف تشعر بقلبها يبكي بكاء خفيا وهو يضحك لها.. ما متعة لمسة الأصابع في أول لقاء.. كيف يتحول المجهول إلى نور يبدأ بالاستيقاظ من نقطة بعيدة في القلب.. كيف يتعلمان أنشودة الحب من طلاسم يفكان بصعوبة حروفها.

لا تنسي أننا من زمن عبدالحليم حافظ.. من زمن كان كل شيء فيه بسيطا ناعما.. من زمن كنا نرى فيه البحر فنغرق في نشوة حقيقية.. من زمن لم تكن ألوانه صاخبة إلى حد الجنون.. من زمن كهذا كان منطقيا أن يكون حبنا الأول ملفوفا في قطعة من الصوف الأحمر الناعم.

كان بيتنا قريبا من الجامعة.. وكنا نتسلى بالذهاب مشيا.. نحكي كأننا لا نشبع.. وكأننا لا نقيم في بيت واحد وفي غرفة واحدة. ولا أنسى يوم جلسنا في البلكونة في نوة رأس السنة.. يصلنا رذاذ البحر بكل عواصف ديسمبر أحكي لها قصة حبي.

هل من حظنا أن قصتينا انتهت بالزواج؟! كان شرط الزواج بسيطا وصعبا: نريد أن نسكن في عمارة واحدة في دورين مثلما كانت طفولتنا.

مدهش أن تتحقق بعض الأماني بهذه السهولة. اخترنا قطعة أرض بعيدة في العجمي.. وتعاون بطلي قصة الحب بأن يبنيان عمارة من دورين لنا. وأقنعنا عم عبدالسميع حارسنا الأمين أن يأتي معنا.

مضت الأيام كأنها لوحة رائعة نلونها بما نرغب من ألوان ونضيف لها ما نريد من صور.. ما أجمل الحياة حين تمضي هادئة هكذا! حتى حين أخبرنا طبيبنا أن حملنا صعب وربما مستحيل.. كنا نستقبل الخبر بما يليق بنا من هدوء.. ونواصل البحث عن أمل.

وفي اليوم الذي أخبرتني فيه مريم أنها حامل.. أحسست أنا أنني أحمل جنينها في بطني.. كانت سعادة الدنيا كلها تتكور في رحمي.. حتى أكاد أتوحم مثلها على أشياء.. ونضحك.

مضت شهور الحمل صعبة عليها.. من أقل الجهد تنزف.. ومن أقل آلامها أبكي.. لاحظت غيرة في مشاعر زوجي.. كان يتمنى أن أكون مثلها أو ربما في مكانها.. وكنت أحيانا أشعر بنفس الإحساس ويفاجئني نفس السؤال: ولماذا لم أكن أنا؟

في اشتهاء الأمومة كم هو مستحيل أن تمنع نفسك من اشتهاء ما في رحم امرأة أخرى. مثل موج بحر يبدو هادئا ثم يعلو.. بدت خلافاتي العابرة مع زوجي.. والتي انتقلت بطبيعة الحال إلى علاقتي بمريم.. لكن في شهرها السادس يفاجئها ألم الولادة المبكرة التي تنبئ بخطر.. فنتوحد في لحظة في صلاة واحدة لكي ينقذها الله.. ونذهب جميعا إلى المستشفى بقلوب مرتجفة.

تلد مريم بنتا ضعيفة لكنها تشبه القمر.. توضع في حضانة الأطفال غير مكتملي النمو.. نراقبها من بعيد من خلف زجاج سميك وطقس معقم.. فتنساب دموعنا ودعواتنا.. كل يوم يمر وهي عاجزة في بيت صغير من زجاج ورئتان لا تتحركان.. يجعل قلوبنا تتحطم.. نصح الأطباء بعدم تسميتها إلا بعد أن تزول مرحلة الخطر.. فهي في حكم من لم تولد بعد.. بينما كانت مريم في حالة حرجة تسأل عن ابنتها في الأوقات القليلة التي تستيقظ فيها.

أنا أحبك يا مريم. أحبك يا مريم. أحبك يا حبة الذكريات والماضي الجميل الذي أبدا لن يعود. تتساند على أيادينا أنا وزوجها وزوجي.. لكي تطل من زاوية على طفلتها في حضانة الحياة. كم هو مؤلم هذا الشعور.. أن تكون طفلتك نائمة مثل ملائكة في صندوق من زجاج وأنت لا تملك قدرة على أن تضع على جبينها قبلة.. أو تضعها في حضنك مشتاقا لدفء وحنان.

مرت الأيام.. بطيئة مرت. نراقب فيها هذا الصعود والهبوط في صدر الصغيرة التي لم يمنحها أحد اسما بعد. نخبئ وجوهنا في الحائط لكي نبكي.. ونرفعها للسقف لكي نصلي وندعو.

ولأنني أبدا لا أحب المفاجآت.. ولم أتعلم حبها.. تفاجئني مريم بالرحيل. صباح رمادي في فبراير.. ممددة كنت على مقعد ألف نفسي بشال من الصوف منكمشة مثل قطتي.. أجد في الممرات لهاث أطباء وممرضات وأجراساا.. ثم حزن يسبقه صمت لعين. ماذا حدث؟ أسأل بينما عيناي غائمتان في حيرة. وتهمس إحداهن: البقية في حياتك! في من؟.. وقلبي ينقبض كأنني في الشهر التاسع من الحزن.. ألد ألما. أسأل: الطفلة؟ تأتي الإجابة الثقيلة المرعبة تثقبني: لا.. الأم.

لم أبكِ.. كان حزني أغلى من البكاء. أو كانت دموعي أعجز من أن تعبر عن حقيقة حزني. من مات هو نصف عمري.. في تلك الأجواء التي لا نعرف فيها كم الساعة وما هو اليوم؟ يناديني طبيبها لأحمل طفلتها في حضني من الحضانة. أنا أحملك يا مريم.. وسميناها مريم.. وتكفلت بمريم.. كنت أنظر في عينيها فأجد كل الأحلام التي خبأتها في عيني مريم العمر كله.

رزقني الله بطفل بعد سنوات من اليأس..

كانت مريم في عامها الثاني.. وأنا حامل في شهري الأول. حين ولد يحيى ابني. كانت مريم تهدهده على قدميها الصغيرتين حتى ينام.. من عجائب الحياة أن يرحل والد مريم بعد شهور قليلة حزنا، ويترك في وصيته المفاجأة الوحيدة التي أحببت من أجلها المفاجآت.. أن أربي مريم في بيتي.

ربيت مريم.. وربت هي معي يحيى.. كبرا معا على حب. منحتهما كل عمري.. وبالأمس تذكرتك يا مريم.. فكتبت لك أسألك أن تحلي معي هذا اللغز العظيم: ابني يحيي يحب ابنتك مريم.. ويطلب مني أن يتزوجها!

فماذا أنا فاعلة.. ابعثي لي بضوء أو إشارة.. فأنا في حيرة.. وحيرتي تمنعني من أن أفكر أو أقرر.. أرفض أو أقبل.. إن مهمتي صعبة.. وثقيلة. أنقذني يا رب.

اخترنا لك