فنجان قهوة بقلم: يسري الفخراني رسالة إلى صديق ينتظر الموت!

صديقي الذي يتصور أن حياته في أيامها الأخيرة، ينتظر مثل حصان عجوز رصاصة الرحمة لكي يموت ويستريح أكتب لك، علني بكلمات طيبة أمنحك أياما طيبة.

صديقي: هذه الحياة نعيشها مرة واحدة، الحياة هي الشيء الوحيد في حياة الإنسان الذي لا يتكرر، لا يمكن استعادته ولا يمكننا إلا الندم على ضياعه يوما بعد يوم، ومع ذلك نترك الحياة بكل أيامها وسنواتها تضيع بكل هذه السهولة دون أن ننتبه أنها الثروة الحقيقية التي يجب أن نحافظ عليها، والتي يجب أن نعلم أطفالنا احترامها والحفاظ عليها، خسارة!

نطوي حياتنا بين تعاسة وخلافات، بين ألم ودموع، بين خوف وإحباط، نمضي بها والأصل أن نمضي معها، نعيشها بكل ما فيها ونستمتع بكل ما بها.

لا تتوقف عند أزمة أو مشكلة أو منحدر وتقنع نفسك أن حياتك انتهت، الحياة لا تنتهي إلا حين يتوقف القلب عن دفقته الأخيرة، ومتعة الحياة هي أن نجد حلا وتفسيرا لكل لغز يقابلنا فيها، ولا معنى للأمل إذا لم يكن هناك عثرات على الطريق، وأشياء لا تتوقعها تجعلك تبذل جهدا لتنجو منها، ولا معنى للسعادة أيضا إذا لم نلتق في حياتنا الحزن والدموع، ولا طعم للنجاح إذا لم يكن مولودا من تفكير وتردد وربما فشل.

صديقي: هذه الحياة، يجب أن تحبها لتحبك، وتحترمها لتحترمك، وتبذل فيها ما يجب أن تبذله من صدق وحب وخير وجدية من أجل أن تمنحك سرها.

الحياة.. حياة كل إنسان لها عنوان، والعنوان يبدو سرا مجهولا نسعى من أجل الكشف عنه والوصول له، سر الحياة.. كيف تتصور نفسك تعيش وتموت دون أن تعرف هذا السر؟! دون أن تفهم لماذا ولدت؟ وما دورك في هذه الحياة؟ هل تتصور أن الله خلقنا دون أن يكون لكل منا دور نقوم به من أجل تطوير هذه الحياة؟

أنت إنسان مهم، مهما كنت، ومهما كانت موهبتك أو طموحك أو المساحة التي تعيش بها، إنسان مهم يجب أن تثبت لنفسك أن لك تاريخا ستكتبه وسيكون لك ذكرى كما أن لك حاضرا كبيرا.

ابحث عن حياتك وعن عنوان حياتك وسر حياتك، أنت أكبر وأقوى من أن تبقى ضئيلا أو تمر على نتيجة الحائط دون أن تلقى تصفيقا تستحقه.

لا أنصحك باليأس ولا الضعف ولا الخوف ولا الانتظار ولا الاستسلام، أنصحك أن تكون نفسك الحقيقية، نفسك التي فقدتها، أنت الذي فقدتها، حين قررت ألا أمل ولا معنى للحياة ولحياتك.

كل يوم من حياتك هو يوم جديد، كل يوم جديد له شمس جديدة وحظ جديد وخير جديد، اليوم هو حياة في حد ذاته، حياة يجب أن تستقبلها مبكرا وتستعد لها بشكل جيد من أجل الاستفادة منها حتى آخر اليوم، الحياة صفحة صفحة؛ وكل صفحة يمكنها أن تكون رواية مستقلة نافعة، تبدد لك كل نوبات الإحباط وكل غيمات اليأس.

غدا.. استقبله بقلب مستعد لكل الاحتمالات التي تؤدي إلى السعادة، غدا.. يولد أطفال يملأون الدنيا صراخا وضحكات، ويملأون الدنيا ملائكة وصفاء، ويملأون الدنيا أملا وحياة، كل الأشياء تتبدل في لحظة.. يذهب بشر ويأتي بشر.. تولد أحلام وتموت أحزان.. فكم لحظة في اليوم.. وكم يوم في العمر.. وكم عمر في الحياة.

غدا.. ابدأ حياتك من جديد، هذه عبارة لا تصلح عنوانا لفيلم سينمائي، لكنها تصلح بداية جيدة لإعادة اكتشاف نفسك، إذا كنت مهزوما فأنت فارس في كبوة، وكم من فارس كانت هزيمته أول عزيمة الانتصار!

إذا كنت تعتقد أن حياتك لا قيمة لها، وأن الأيام متشابهة إلى درجة الملل، فأنت عاشق في انتظار قصة حب حقيقية تجعلك تعرف أن للقلب معنى وللمشاعر معنى ولكل نهار جديد معنى.

الحياة جميلة ولو كره المتشائمون، الحياة صعبة وصعوبتها تمنحها روحا جديرة بالحفاظ عليها، الحياة هي أن تجد نفسك الضائعة المختبئة، فتصنع منها قاربا من السعادة الحقيقية، الحياة هي مباراة كرة القدم التي يجب أن تفوز بها لتشعر بالنشوة وطعم النصر وتعرف أنك يمكن أن تفوز بالتعب والعمل والإرادة.

ساذج من يتصور أن حياته لا ثمن لها، وأن هزيمته فيها تساوي انتصاره، ويأسه منها يساوي تحقيق أحلامه، وأنت يا صديقي لست ساذجا ولا أنت ضعيف، ولا أنت عابر، ولا أنت عادي، ولا أنت فاشل، ولا أنت مختل أو مجنون. أنت لا تعرف كم أنت ساحر تستطيع أن تفعل أشياء أكثر بكثير مما تتصور.

ابحث عن أحلامك التي فقدتها مهما كانت بسيطة أو كبيرة، عن التفاصيل الصغيرة التي تعتقد أنها تجعل حياتك أكثرسعادة.. هذا المساء اكتب كل هذه التفاصيل على ورقة وتفاوض مع نفسك على أن تبدأ في تنفيذها خطوة خطوة، حاول أن تعيد الألوان إلى الصورة الباهتة التي توقفت عندها، الألوان هي أحلامك التي ستقاوم وتجتهد وتلتزم من أجل تحقيقها.

في الحياة أشياء كثيرة تستحق أن نعاني من أجل استردادها أو الاحتفاظ بها أو الفوز بمتعتها، من بين هذه الأشياء هواية نسيت أنك كنت تستمتع معها، أو عمل كنت تتصور أنك تجد سعادتك بممارسته، وربما صديق قديم أو أماكن ضيعت الطريق لها، وربما بيت بزوجة وأطفال يفضل أن تعيد نظرا في أفضل طريقة للفوز بأكبر قدر من السعادة بهم.

نحن نملك أشياء كثيرة لا نقدر قيمتها.. لأننا نملكها.. الحياة هي أحد أهم هذه الأشياء، ولأننا نتصور أنها تعني أياما كثيرة.. ندمر هذه الأيام دون شعور بذنب أو خوف أو ألم، فماذا لو كان ما تبقى من حياتك أيام معدودة.. هل تفرط فيها بهذه السهولة؟

إجاباتك هي مقدمة لما يجب أن تفعله بحياتك من الآن.. على الأقل أن تبدأ وتحمد الله أنك مازلت على قيد الحياة. تتنفس وتعيش.

صديقي.. علمتني السنون التي عشتها أن العتمة الشديدة هي بداية كل نهار جديد، لم تخذلني هذه الحكمة مهما كانت الأزمة أو كان الحدث، دائما تختلط الأمور حتى أظن ألا مفر من نهاية مفزعة، لكن يخلف الله سبحانه وتعالى ظني ـ والحمد لله ـ فيأتي الحل من حيث لا أتوقع أو يتوقع أحد!

في القرآن الكريم قال تعالي: {فإن مع العسر يسرا}، وقال تعالي: {عسي أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم}. لا تنس أن الليل حين يشتد ظلامه يبشرك أن الفجر اقترب، ولا تنس أن العين حين تبكي تغسل النفس من كل آلامها وعذابها، لا تنسي أن الأرض التي لا حياة فيها هي التي تنبت منها أجمل الزهور وأقوى الأشجار. لا تنس أن في اللحظة التي تتصور نفسك فيها وحيدا، يد الله ترعاك وفي الوقت الذي تتألم من مرض هناك ملايين سبقوك إلى الشفاء.

صديقي أنا أشعر بحزنك وأشاركك، وكم أتمنى أن تشاركني نفس حزني، فنصبح كما جبال تتساند إلى بعضها البعض في أزماتها وفي وجه الرياح والعواصف، هذه حياتي وحياتك تشبه سفينة تعطلت وتمزقت أشرعتها في بحر غريق عميق موحش، البعض مذعور، ويلقي نفسه في الأعماق قبل أن تغرق السفينة، والبعض يشعل النيران لعل أحدا يشاهد الغرقى قبل لحظاتهم الأخيرة، البعض يترنح من دوار البحر، والبعض يرقص رقصة المذبوح، والبعض يصرخ في هيستريا تنبئ عن فزع طفولي، والبعض يبحث عن طوق نجاة يرتديه سرا، والبعض صامت في دهشة، والبعض صادق في صلاة، والبعض غارق في ضحك كالبكاء، والبعض يحاول أن ينقذ السفينة بأي طريقة!

لكن لا تنس الله أبدا وأنت تناقش أدق وأصعب ظروف حياتك، لا تتوقع حالك في معزل عن الخالق بكل جلاله، لا تندهش من رحمة الله حين تفاجئك في عز هشاشتك فتحييك.

أيام صعبة ومازال هناك الأصعب، لكن لا تترك إيمانك من فضلك على عتبة الحيرة. تمسك بإيمانك. إن الخالق يحبك ويحبنا ويحب كل مخلوقاته وسييسر لنا الخير في أقرب وقت. عليك وعلينا أن نتحرر من عذابنا ونتوكل على الله. أن نعمل لكي نبدل الأشياء السيئة التي نحملها بما هو أجمل. وأن نعمل لكي نصبح شعبا له قيمة في زمن تقاس الشعوب بعملها وعلمها.

بسم الله الرحمن الرحيم. نبدأ صباح خير من حيث تعثرنا. نمحو حزن عميق لكي نلحق ما فاتنا من عمر، فالعمر واحد يا صديقي لا يعاد، فإما أن نكون أبطال قصتنا أو لا يكون لنا مكانا، إما أن نغير ونتغير أو كما جئنا نمضي، إما أن نكون أحلامنا وإما أن نصبح نسخة مهملة في صندوق مهملات.

أنت شيء كبير فاستمع إلى قلبك حين يحدثك عن قدرتك على أن تنجح وتعيش حياة غير الحياة، استمع إلى قلبك وهو يرسم لك أحلاما جميلة تسير معها إلى مستقبل، أنت خلقت لكي تكون مميزا لا تابع ولا مجرور، أن تكون رسول حب وجمال وأمل وعلم وحياة.. فكيف تنسحب؟

يا صديقي لا تقل لا أستطيع.. تستطيع. خلقك الرحمن كاملا معك كل ما مع من غيروا حياتهم وحياتنا، فلماذا أنت هنا تقف حائرا لا تعرف كيف تزيل الحزن من كفيك وكتفيك؟ كن فارسا يا صديقي ولا تقل انتهى زمن الفرسان، كن عاقلا حكيما حرا. كن أنت كما ينبغي لك أن تكون.

اخترنا لك