فنجان قهوة بقلم: يسرى الفخرانى مهمة إنسانية صعبة

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

مهمة إنسانية صعبة: البحث عن طفل مخطوف!

هناك قصص لا تكتفي أن توجع القلب، لكنها تمزقه!

القصة التالية إحدى هذه القصص الموجعة بالفعل، وكنت أتمنى ألا أصدقها، لولا أن بطلتها روتها لي بنفسها، والقصة التي تبدأ بزواجها غير التقليدي من أحد الشبان الذي كان زميلا لها في كلية الهندسة، في نفس الدفعة، تعرفت إليه وتقدم للزواج منها بعد التخرج مباشرة، وتزوجته على الرغم من اعتراض أسرتها، اتفقت معه على أن يشتركا في بناء مستقبلهما خطوة خطوة، ورغم أن عائلتها إحدى العائلات المهمة والكبيرة والمعروفة في تجارة الدواء، إلا أن حبها للاستقلال بحياتها الخاصة كان سببا في اختصار وقت الزواج والسفر إلى مقر عمله في أحد مدن الجنوب مهندسا في إحدى شركات المقاولات الخاصة هناك، وقضيا أصغر شهر عسل لم يستمر أكثر من ليلة واحدة، ذهب في اليوم التالي إلى العمل بحجة الخوف من أن يفقد فرصة العمر التي قد لا تتكرر، وتحملت الصدمة الأولى على اعتبار أنها هي التي اختارته وأصرت عليه، وقررت الحياة معه، لم تبد له أي غضب، ولم تعلن رغبتها في شهر عسل أطول، بالعكس كانت كريمة في التخلي عن أبسط حقوقها كعروس، وفي بيت صغير متواضع ليس به أي تجهيزات للحياة أمضت أيامها الأولى معه، تسانده وتساعده وتشجعه على الاستمرار، وبدأت في البحث عن عمل كمهندسة في نفس الشركة أو شركة أخرى، لكنه كان يسخر من محاولاتها، يطحن أملها في مشاركته النجاح الصعب الذي اتفقا عليه قبل الزواج، لم تمض أيام كثيرة إلا وفاجأها ذات يوما أنه سوف يدعو رئيسه في العمل وهو مهندس فرنسي في الخمسين من عمره إلى العشاء في بيتهما، على أمل أن يؤكد علاقته معه، وطلب منها أن تستقبله استقبالا يليق به وتعد له وجبة عشاء تقليدية من التي يهواها، خاصة الملوخية بالفراخ وطبق البصارة، اشترى لها فستانا جديدا حرص على أن يذهب إلى أكبر محل في العاصمة ليحضره لها، فوجئت بالهدية مرتين، مرة لأنها الأولى منه منذ زواجهما، وهو الذي اعتاد أن يبخل عليها بثمن تذكرة سفر لزيارة أهلها، والمرة الثانية لأنها فوجئت أن الفستان فاضح أكثر مما يجب، وهو شيء لم تعتد عليه خاصة في وجود ضيف غريب عليها، لكنه أقنعها أن ترتديه حتى لا يتهمه المدير الفرنسي بالتخلف والرجعية كما قال لها.

جاء موعد السهرة وكانت المفاجأة الأكثر قسوة حين حضر المدير ومعه صندوق من الخمور وجلس يشرب مع زوجها الذي لم تكن تعرف عنه أنه يشرب أي نوع من الخمور، وامتدت المفاجأة حين وجدت المدير يحاول التحرش بها بنظراته الشرسة الشرهة كأنه يفترسها، حدث ذلك في حضور زوجها الذي لم يكن له أي ردة فعل إلا بعد أن انتهت السهرة، فانتزعت نفسها غاضبة لكرامتها وواجهت زوجها بما حدث تحت نظره ورعايته، وفوجئت بالصاعقة حين قال لها في ود لا يليق بما حدث: “وما له”!

وثارت أكثر فهجم عليها في عنف وسارع بضربها وهو يسبها بأفظع الشتائم قبل أن يقوم باغتصابها في وحشية وهو يصفها بأحقر الأوصاف، ثم أغلق باب الشقة عليها وتركها غارقة في دمها ودموعها، وهربت، هربت إلى إحدى صديقاتها في المدينة الصغيرة التي أعطتها ثمن تذكرة السفر إلى بلدها، عادت إلى أهلها تطلب الطلاق.

كانت في انتظارها مفاجأة أكثر قسوة حين رفضتها الأسرة وعنفتها بسبب سوء اختيارها منذ البداية والخروج عن إطار العائلة، ولم تجد حلا إلا اللجوء إلى منزل شقيقتها التي استقبلتها للعيش معها، لكن يبدو أن المفاجأة كانت لديها المزيد مما لم تتوقعه، حيث فوجئت أنها حامل، نزل الخبر عليها مثل صاعقة، كادت تتخلص من الجنين لكنها في اللحظات الأخيرة قررت الاحتفاظ به على أمل أن يكون هو البهجة الوحيدة في حياتها، لم يخل الأمل في أن تعود إلى زوجها ربما تستطيع مواصلة الحياة معه وطفلهما المنتظر مثل أي عائلة مستقرة، غادرت بيت شقيقتها لتلتقي زوجها في مفاوضات أخيرة تمنت أن تفوز بها بإصلاح حاله وإقناعه أن تلتئم العائلة التي طالما كانت تحلم بها، استقبلها الزوج بأكثر من توقعاتها، اعتذر لها، وبكى تحت قدميها وطلب الصفح والمغفرة، لكنه انتفض حين سمع خبر الحمل، وفي وجوم لم تتوقعه سألها في جدية: هل هذا ابني؟ إنني لا أنجب، كيف أصبحت حاملا؟ وانهال عليها بالضرب من جديد، وهي تصرخ في دفاع عن شرفها، خرجت من البيت ولم تعد، وجدت وظيفة في أحد المصانع الصغيرة وعاشت في غرفة في بيت صديقتها، مرت الأيام بسرعة وأنجبت طفلا مثل القمر، سألوها في المستشفى عن اسم أبيه، وطلبوا حضوره لتسجيله في شهادة الميلاد، ولم تجد إلا أن ترسل صديقتها إلى الأب لتخبره الحضور حرصا على مستقبل الطفل، حضر الأب في سهولة غير متوقعة وسجل الطفل باسمه، وفي اليوم التالي كانت المفاجأة المريرة، اختفى الطفل من المستشفى بعد أن قام الأب باختطافه والهروب به، خرجت الأم تحمل ألمها من الجراحة واللهفة على طفلها المختفي، وذهبت إلى الأب فى عمله ووجدته هناك وقابلها بكل ثبات وهي تصرخ وتكاد تسقط من الإعياء وتسأله وتستحلفه أن يعيد لها ابنها ضناها، لكنه بكل هدوء قال لها وهو يخرج ورقة مطوية في جيبه: البقية في حياتك، الولد مات! وقدم لها شهادة وفاة.

سقطت على الأرض وهي ترفض أن تصدق أن حلمها الجميل ذهب ولن يعود، لم تتحمل الصدمة ولم تصدقها، لكنها أفاقت في غرفة العناية المركزة وسط أنابيب من الأدوية مرشوقة في جسدها، ممنوعة من الحركة تكاد تكون في غيبوبة لا تقوى معها على الهمس، بقيت هناك ثلاثة أشهر وخرجت من هناك إلى أقرب قسم شرطة وحررت محضرا ضد زوجها بتهمة قتل ابنها في اليوم الأول، وحكت قصتها كاملة وتعاطف معها ضابط الشرطة وتعهد لها أن يبذل كل جهده للوصول إلى الحقيقة، لكن الأيام مرت دون فائدة، وهي تكاد تموت من الحسرة واليأس، وتذبل من قسوة الصدمة وعنفها، وعادت إلى مدينتها تطلب الصفح من عائلتها التي لم يسأل عنها أحد طوال هذه الفترة، ولم يكن أحد يعرف شيئا عن تجربتها المريرة التي عاشتها، لكنهم بكل قسوة لم يخفوا ارتياحهم بالتخلص من الطفل الذي يحمل اسم الأب الذي سبق ورفضوه بعنف، وعاشت معهم بلا ماض أو مستقبل بعد أن حصلت على الطلاق، وكانت تتردد بانتظام على أحد المستشفيات النفسية للعلاج، وحاولت أن تبدأ من جديد دون جدوى، حاولت أن تنسى بلا أمل، حاولت أن تعيش لكنها كانت تموت في اللحظة ألف مرة، لتأتي المفاجأة الأخيرة بعد ثلاثة أعوام، حين تلقت اتصالا تليفونيا من أحد أقارب زوجها السابق يطلب منها الحضور لأمر مهم لأنه في فراش الموت بعد حادث مرعب على الطريق، ويريد أن يراها قبل أن يموت، ورغم أنها شعرت في اللحظة ذاتها بلذة الانتقام الإلهية منه إلا أن شيئا ما في قلبها جعلها تذهب إليه، لعلها أرادت أن تكمل مشهد الانتقام، أو تسمع منه اعترافا أخيرا عن ابنها الراحل، وجلست أمام فراشه في حضور أقاربه، وهو يكاد يهمس بأخطر وآخر ما توقعت أن تسمعه، قال لها وهو يطلب الصفح قبل الموت أنه تأكد أن الطفل هو ابنه بالفعل بعد أن أجرى تحاليل جديدة، أكدت أنه قادر على الإنجاب ولو بأمل ضعيف، وأنه منذ هذه اللحظة وهو يدفع الثمن بالإدمان الذي هزم كل حياته وأحلامه، دون أن يعرف كيف يعيد الزمن إلى الوراء لتصحيح خطأ عمره، وقال لها من بين دموعه الأخيرة إنه حاول كثيرا أن يكفر عن غلطته البشعة بإعادة طفلها إليها دون جدوى!

مات الزوج بعد أن أدلى بأعنف اعترافاته وفتح جرحا لن يندمل، قال لها إن طفلهما لم يمت، وإنه استخرج له شهادة وفاة مزورة، بعد أن قام بتسليمه بمحضر إلى قسم الشرطة باسم مستعار على أنه طفل لقيط وجده في الشارع، وقام القسم بتسليمه إلى أحد الملاجئ باسم جديد لا يعرفه، وقد حاول البحث عنه طوال هذه الشهور دون جدوى، بعد أن تبنت الطفل إحدى العائلات البديلة من آلاف العائلات التي تتبنى الأطفال.

مر أربع سنوات على هذه الحادثة المفجعة، ولم تفقد الأم بعد بمشاعرها الأمل في أن تجد طفلها الضائع، وتقول لي من بين دموعها: إحساس الأم عمره ما يخيب أبدا، سوف أجده ولو بعد عشرين سنة، صورته في خيالي وفي قلبي وفي ضلوعي، ولن ينزعها أحد مني مهما حاول، وسوف أجده وأضمه إلى حضني الذي حرم منه، وأقبله القبلة التي حرمت منها، ادعو لي.

وأنا لا أكتفي بالدعاء لها، إنما بالبحث معها عن طفلها الذي يعيش في حياة أم أخرى. لعله سعيد لكنه حتما يشعر أن هناك قلبا آخر يبحث عنه في لهفة. إنها قصتها وقصتي التي أتمنى أن أتمها بأن أعيد لها طفلها. وسوف تكون هذه أجمل القصص التي كتبتها.. لأنني كنت جزءا منها.

اخترنا لك