فنجان قهوة بقلم: يسري الفخراني

يسري الفخراني

يا صديقي.. أنت الأقوى!

  سؤال: أنت قوي أم ضعيف؟

السؤال بصيغة أخرى: هل تحب أن تكون قويا.. أم ضعيفا؟

هذا سؤال مهم.. وإجابته هي التي تحدد تماما من أنت؟ ماذا تريد من حياتك؟ وماذا تريد لحياتك؟ هل نحن نرسم حياتنا كما نريدها؟ أم أن هناك ظروفا تجعلنا تعساء أو سعداء.. فقراء أو أغنياء.. فاشلين أو ناجحين؟

أنت.. وإذا كنت لا تعرف.. فأنا أقول لك: أنت.. لا الظروف ولا الزمن ولا الناس.. أنت. فكم من عاجز أصبح أسرع رجل في العالم! وكم من فقير أصبح أغنى رجل في الدنيا! وكم من إنسان نشأ في أسرة فقيرة في مكان فقير في زمن صعب وأصبح رئيس دولة!

أنت شيء كبير.. والحياة منحة من الله سبحانه وتعالى لك.. وهو ـ سبحانه ـ يحبك.. وإلا ما خلقك ولا كنت ولا بقيت. وقد منحك كل ما يمكنك أن تصنع به حياة أجمل مما أنت فيه، ومعادلة الحياة هي العمل، كل عمل يحرك قدميك خطوة نحو حياة أفضل، والعمل يسبقه حب ما تعمل والتفكير في ما تعمل، وبينهما يجب أن ترضى بكل نتيجة تحققها، وكل ردة فعل مهما كانت صعبة.

لا شيء يأتي صدفة ولا مرة واحدة ولا في ضربة حاسمة.. كل شيء في حياتك مثل برج طويل من مائة دور.. كل وقت يضاف إليه طوبة، وقد أعطانا الله مثلا في خلق الحياة.. فلم يخلقها في يوم وهو قادر.. إنما في ستة أيام.. فكيف تجعل حياتك ست مراحل مختلفة.. كل مرحلة تبحث عن بناء جديد تصنعه وتستمتع أنك كنت قادرا على أن تصل له.. متعة التعب أن تكون مثل دودة القز الصغيرة البسيطة الضئيلة التي تصنع خيوطا من حرير ثم تتحول إلى فراشة ثم نجعل من الحرير ثوبا جميلا!

هل دودة القز بكل ضعفها أقوى من قدرتك على أن تحول حياتك من ظلام إلى نور.. من عدم إلى كيان.

من متع الحياة أن تغيرها بجهد منظم وكبير.. وأن تنتظر وتنظر بحب ولهفة إلى النتيجة التي تصل لها بعد هذا الجهد. لا يجب أن يمر يوم من عمرك دون جهد ودون أن تضيف له ما يجعلك تنام وأنت سعيد بما بذلته وليس بما كسبته.

الأم مثلا تبذل جهدا كبيرا في حياتها.. هذا الجهد لا يتحول إلى مكسب إنما يصبح في كل مرحلة إنجازا.. تقف أمامه وتعرف أن جهدها لم يضع وأن استمتاعها بالجهد المبذول في تربية أبنائها هو الفوائد اليومية التي تحصل عليها.

هذه الحياة نعيشها مرة واحدة، الحياة هي الشيء الوحيد في حياة الإنسان الذى لا يتكرر، لا يمكن استعادته، ولا يمكننا إلا الندم على ضياعه يوما بعد يوم، ومع ذلك نترك الحياة بكل أيامها وسنواتها تضيع بكل هذه السهولة دون أن ننتبه أنها الثروة الحقيقية التي يجب أن نحافظ عليها، والتي يجب أن نعلم أطفالنا احترامها والحفاظ عليها.. خسارة!

نطوي حياتنا بين تعاسة وخلافات، بين ألم ودموع، بين خوف وإحباط، نمضي بها والأصل أن نمضي معها، نعيشها بكل ما فيها ونستمتع بكل ما بها.

لا تتوقف عند أزمة أو مشكلة أو منحدر وتقنع نفسك أن حياتك انتهت، الحياة لا تنتهي إلا حين يتوقف القلب عن دفقته الأخيرة، ومتعة الحياة هي أن نجد حلا وتفسيرا لكل لغز يقابلنا فيها، ولا معنى للأمل إذا لم يكن هناك عثرات على الطريق وأشياء لا تتوقعها تجعلك تبذل جهدا لتنجو منها، ولا معنى للسعادة أيضا إذا لم نلتقِ في حياتنا بالحزن والدموع، ولا طعم للنجاح إذا لم يكن مولودا من تفكير وتردد وربما فشل.

هذه الحياة، يجب أن تحبها لتحبك، وتحترمها لتحترمك، وتبذل فيها ما يجب أن تبذله من صدق وحب وخير وجدية من أجل أن تمنحك سرها.

الحياة.. حياة كل إنسان لها عنوان، والعنوان يبدو سرا مجهولا نسعى من أجل الكشف عنه والوصول له، سر الحياة.. كيف تتصور نفسك تعيش وتموت دون أن تعرف هذا السر، دون أن تفهم لماذا ولدت وما هو دورك في هذه الحياة، هل تتصور أن الله خلقنا دون أن يكون لكل منا دور نقوم به من أجل تطوير هذه الحياة؟

أنت إنسان مهم، مهما كنت، ومهما كانت موهبتك أو طموحك أو المساحة التي تعيش بها، إنسان مهم يجب أن تثبت لنفسك أن لك تاريخا سوف تكتبه وسوف يكون لك ذكرى كما أن لك حاضرا كبيرا.

ابحث عن حياتك وعن عنوان حياتك وسر حياتك، أنت أكبر وأقوى من أن تبقى ضئيلا أو تمر على نتيجة الحائط دون أن تلقى تصفيقا تستحقه.

لا أنصحك باليأس ولا الضعف ولا الخوف ولا الانتظار ولا الاستسلام، أنصحك أن تكون نفسك الحقيقية، نفسك التي فقدتها.. أنت الذي فقدتها حين قررت ألا أمل ولا معنى للحياة ولحياتك.

كل يوم من حياتك هو يوم جديد، كل يوم جديد له شمس جديدة وحظ جديد وخير جديد، اليوم هو حياة في حد ذاته، حياة يجب أن تستقبلها مبكرا وتستعد لها بشكل جيد من أجل الاستفادة منها حتى آخر اليوم، الحياة صفحة صفحة وكل صفحة يمكنها أن تكون رواية مستقلة نافعة تبدد لك كل نوبات الإحباط وكل غيمات اليأس.

غدا.. استقبله بقلب مستعد لكل الاحتمالات التي تؤدي إلى السعادة، غدا.. يولد أطفال يملأون الدنيا صراخا وضحكات، ويملأون الدنيا ملائكة وصفاء، ويملأون الدنيا أملا وحياة، كل الأشياء تتبدل في لحظة.. يذهب بشر ويأتي بشر.. تولد أحلام وتموت أحزان.. فكم لحظة في اليوم.. وكم يوما في العمر.. وكم عمرا في الحياة؟

غدا.. ابدأ حياتك من جديد، هذه عبارة لا تصلح عنوانا لفيلم سينمائي.. لكنها تصلح بداية جيدة لإعادة اكتشاف نفسك، إذا كنت مهزوما.. فأنت فارس في كبوة وكم من فارس كانت هزيمته أول عزيمة الانتصار!

إذا كنت تعتقد أن حياتك لا قيمة لها.. وأن الأيام متشابهة إلى درجة الملل، فأنت عاشق في انتظار قصة حب حقيقية تجعلك تعرف أن للقلب معنى وللمشاعر معنى ولكل نهار جديد معنى.

الحياة جميلة ولو كره المتشائمون، الحياة صعبة وصعوبتها تمنحها روحا جديرة بالحفاظ عليها، الحياة هي أن تجد نفسك الضائعة المختبئة، فتصنع منها قاربا من السعادة الحقيقية، الحياة هي مباراة كرة القدم التي يجب أن تفوز بها لتشعر بالنشوة وطعم النصر وتعرف أنك يمكن أن تفوز بالتعب والعمل والإرادة.

ساذج من يتصور أن حياته لا ثمن لها، وأن هزيمته فيها تساوي انتصاره، ويأسه منها يساوي تحقيق أحلامه، وأنت يا صديقي لست ساذجا ولا ضعيفا ولا أنت عابر ولا أنت عادي ولا أنت فاشل ولا أنت مختل أو مجنون.. أنت لا تعرف كم أنت ساحر تستطيع أن تفعل أشياء أكثر بكثير مما تتصور!

ابحث عن أحلامك التي فقدتها مهما كانت بسيطة أو كبيرة، عن التفاصيل الصغيرة التي تعتقد أنها تجعل حياتك أكثر سعادة.. هذا المساء اكتب كل هذه التفاصيل على ورقة وتفاوض مع نفسك على أن تبدأ في تنفيذها خطوة خطوة.. حاول أن تعيد الألوان إلى الصورة الباهتة التي توقفت عندها، الألوان هي أحلامك التي سوف تقاوم وتجتهد وتلتزم من أجل تحقيقها.

في الحياة أشياء كثيرة تستحق أن نعاني من أجل استردادها أو الاحتفاظ بها أو الفوز بمتعتها، من بين هذه الأشياء هواية نسيت أنك كنت تستمتع بها، أو عمل كنت تتصور أنك تجد سعادتك بممارسته، وربما صديق قديم أو أماكن ضيعت الطريق لها، وربما بيت بزوجة وأطفال يفضل أن تعيد نظر في أفضل طريقة للفوز بأكبر قدر من السعادة بهم.

نحن نملك أشياء كثيرة لا نقدر قيمتها.. لأننا نملكها.

الحياة هي أحد أهم هذه الأشياء، ولأننا نتصور أنها تعني أياما كثيرة.. فندمر هذه الأيام بدون شعور بذنب أو خوف أو ألم.. فماذا لو كان ما تبقى من حياتك أياما معدودة.. هل تفرط فيها بهذه السهولة؟

إجاباتك هي مقدمة لما يجب أن تفعله بحياتك ومن حياتك الآن.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك