فنجان قهوة بقلم: يسرى الفخرانى

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

يسري الفخراني

عشاء رومانسي مع جوليا روبرتس! -1

مطر مفاجئ.. وكنت في نقطة أخيرة في فنجان قهوتي. بالصدفة كنت أنظر إلى السماء من زاوية ضيقة تطل على شارع أكسفورد.. كيف تحولت السماء فى لحظة من صفاء الصيف إلى لون الخريف الرمادي.. تلقيت تليفونا فإذا المتصل يقرأ حيرتي وهو يقول: لا تنسى.. إنها لندن يا عزيزي.

النقطة الأخيرة في فنجان القهوة كأنها النقطة الأكثر تركيزا.. بدونها كأننا لم نشرب قهوة ولا تذوقناها، مرة حادة في الطعم، عندها تماما تسيقظ المشاعر أو تبدأ الحيرة، تتحول إلى بائس ينتظر وحيا من السماء يلهمه الصواب.

مزدحم أكسفورد بكل ما في البشر من لهجات ولكنات ووجوه وملامح وألوان، سرعة في الخطوات كأن كل واحد هارب من قصة أو هارب من نفسه.

أقيم في فندق صغير يتخذ شكل مثلث على ناصية في زقاق رفيع، حين أطل من نافذة غرفتي أشعر بغربة لا يمنعها إقامتي الطويلة في هذه المدينة التي تضم أصدقاء كثيرين. لا أنشغل بكتبي وأوراقي والكمبيوتر الأسود الصغير الذي أكتب عليه. جئت أبحث عن نفسي لعلني أيضا أبحث عن زمن أجدد به طاقة الحب وطاقة الأمل وطاقة النظر إلى الحياة بطريقة مختلفة. أحب تأشيرات السفر التي تحملني إلى بلاد قريبة، لا أريد أن أترك من أحبهم على مسافة أبعد من أربع ساعات طيران.

في مرة سافرت من بيروت إلى القاهرة ومنها إلى لندن ثم باريس وعدت في نفس الليلة. هذه تجربة لا أنساها. استعادتني ضرورة عائلية وكنت محظوظا بالدخول والخروج بكل هذه السرعة دون أن يستوقفني موظف مطار، ويوجه لي تهمة الدخول والخروج بدون إبداء الأسباب في اليوم نفسه. لا أحسد – ولن أفعلها – مضيفي الطائرات الذين ينامون كل يوم في بلد.

أنا أحب الاستقرار واللجوء إلى أشيائي المفضلة آخر الليل. لكن أحب السفر الذي يحول الأيام إلى مسافات بين السطور وصفحات بيضاء خالية بين أوراق الرواية.

ما أجمل أن تكون حرا؟ يوفر لك السفر خدمة الحرية إلى حد كبير. أن تقص كل الخيوط الشائكة التي تربطك من قدميك مثل عروس خشب في مسرح، تصبح أخف وزنا وأرق حالا، تأكل من على الأرصفة ما تيسر من الهوت دوج. وتدعو نفسك على العشاء في مطعم فاخر يصادف أن جارتك على الطاولة الأخرى حسناء، أو كما حدث معي: جوليا روبرتس..!

فلا تفوت الفرصة وتدعوها إلى العشاء معك وتتصور أنك حبيبها الغائب.. وتمضي ليلة رومانسية من خيال لذيذ خفيف. لا تمانعه نجمة بمكانة جوليا وتألقها. تصور…

أنا أحب جوليا روبرتس. يا رب.. كيف تتحقق الأماني بمجرد أن تكون في القلب رغبة. أنا أؤمن أن الأماني مثل السحر.. تحرك الأشياء التي ننتظرها عن بعد!

كل المحاضرات التي ألقيتها عن الحب والحياة كنت أحرض الجميع على البوح بأمانيهم لأنفسهم. أحرضهم أكثر على الدفاع عن هذه الأماني. الإرادة تجعل من الأمنيات حقيقة. هذه طريقتي أخفيها في صدر من أحبهم. أقول لهم اكتبوا أمانيكم على ورق.. ألف مرة.. ارسموها قمرا ونجوما على هامش الصفحات البيضاء.. فالواقع الذي نرغب في أن نعيشه هو من صنع مراكب الورق التي ننقذ فوقها أمانيننا الطيبة من الغرق في الطوفان.

على مقهاي الصغير تعلمت كيف أصنع لنفسي فنجان قهوتي. ضحكت صانعة القهوة حين أفرطت في الرجاء لها أن تتركني أصنع قهوتي على طريقتي من خلف هذه الماكينة التي تعد القهوة سوداء وجميلة.

توقفت أمام هذا التطرف في رؤيتي للأشياء.. فوجدت أن اللون الأسود ليس دائما لون الحزن.. إنما أحيانا هو لون السعادة.. حين يصبح ليلا مع من تحب.. حين يصبح سهرة تشاركك فيها أم كلثوم بصوتها الكبريائي المموج بكل ألوان الطيف.. حين يصبح فنجان قهوة في طقس شتوي كهذا.

جرائد على الطاولة. وقلم.. الصحافة الإنجليزية قاسية. العنوان والصورة والمعنى وخشونة الورق وفضائح التابلويد.. تمر أمامي.. وجوه أكاد أعرفها.. وبيننا تحية من يحاول أن يعرف من ملامح الوجه حروف الأسماء.. كثير ما قابلت هنا عمر الشريف.. وبالمرات التي شربنا فيها قهوتنا وجدت داخله هذا الطفل الهارب من أزقة الأسكندرية القديمة العتيقة حين كانت مهبط الأحلام والإبداع وشعاع نابض بالحرية.. يمكنني أن أقول إنني تعلمت منه كيف أحب الحياة بإفراط حتى تحبك. كان له حكمة أو وجهة نظر أو وسيلة أو طريقة يعبر عنها بكل يديه وهو يلوح بهما ويقول: يا أخي كيف تقدم لامرأة ما حبا كبيرا.. مرة وثانية وثالثة.. ثم لا تتوقع أن تحبك؟

وهكذا الحياة.. حبها تحبك.. حبها بإفراط تحبك من قلبها. إننا في عالمنا العربي ننتظر الحب.. دون أن نقدمه!

الحب لا يأتي بضربة حظ على جوجل.. لا يأتي بالغرور والخوف والتحول من نبض إلى سكتة قلبية.. الحب لكي تجده يجب أن تكون قادرا قويا في التعبير عنه.

الإنجليز لديهم برود في التعامل مع الآخرين.. صعب اختراقه لكن ليس مستحيلا. ومع ذلك.. ابذل بعض المجهود وسوف تكتشف أن نظرية عمر الشريف سليمة. هل يمكن أن يحبك اللون الرمادي الذي يغلف الحياة هنا.. امنحه حبك وتمهل وسوف تجد أن له ملمسا لطيفا!

في الجرائد المسائية قصة فتاة إفريقية فقيرة تشتري قصرا في الريف الإنجليزي بخمسة ملايين إسترليني. قصص الانتقال من الفقر إلى الثراء دائما مثيرة ومسلية وتحتل الصفحات الأولى في الصحف ونشرات الأخبار. هذه قصة فتاة عمرها 22 سنة جاءت إلى لندن منذ خمسة أشهر تحولت بفعل ورقة يانصيب وسحب على حظ إلى مليونيرة. لكنها فاجأت الجميع بأنها اشترت بنصيبها بيتا في الريف الإنجليزي وحولته إلى بيت للأطفال السود الأفارقة الفقراء.

هل يمكن لإنسان فقير في أول العمر أو آخره أن يضحي بثروة العمر؟ بملايين الجنيهات من أجل إسعاد شخص أو أشخاص آخرين غالبا لا يعرفهم.. هذه الفتاة الفقيرة فعلتها.. وقالت مانشيتات للصحف الرصينة والفاضحة: أنا أغنى إنسان في الدنيا لأنني حولت عشرات التعساء إلى سعداء. كم تساوي فرحة في عين طفل محروم حين يجد يدا تلتقطه من البرد والجوع والرصيف إلى الدفء والشبع وغرفة ملونة مملوءة باللعب.

وضعت الصحيفة تطل منها الفتاة السمراء بكل بريق عينيها.. وفكرت: من فينا قادر أو قابل أن يفرط في كل ما يملك من أجل أن يكسب مشاعر لا تقدر، اسمها إسعاد شخص آخر؟ هل يمكن أن تفعلها؟ هل يمكن أن أفعلها؟ في زمن يقاس فيه قامة الرجل وعرضه بما يملك من مال.. وفي زمن تشترى السعادة بأقراص من أقرب أجزخانة.. أو اشتراك لا ينقطع على الشو تايم كوميدي. تصبح الإجابة: صعب جدا. وتصبح هذه السمراء ملاكا أبيض. هي لن تصبح فتاة أحلام على الأرجح.. فكثير من الشباب يكتب في رغبته الأولى فتاة ثرية تنقله دون عناء من الفقر أو توفر له حياة دون عمل. فهل تجد فتى أحلامها.

في صحيفة أخرى وجدتهم يتكلمون بخبث عن البوي فريند الذي عاقبها بالانفصال عنها بعد أن تبرعت بكل ما كسبت. والمضحك أنه دخل في غيبوية لا يصدق أن فتاته سكبت الذهب في حوض الحمام. مسكين هو لا يعرف كم أصبحت الفتاة ملكة في بلد لا تعترف إلا بإلإليزابيث ملكة!

إن لندن فتاة جائعة لحكايات الناس.. تلتهم في شراهة وتمضغ ولا تهضم قصص موجعة وفاضحة وعلى كل شكل وكل لون. فكيف أهرب من قدري في هذه المدينة المزدحمة التي أدوخ فيها وأمارس فيها هواية الفرجة على البشر وعلى الفاترينات وعلى المكتبات.. وأدوخ في فناجين قهوتها. مدينة متعددة الجنسيات ومع ذلك الجميع يتكلم الإنجليزية كأنه يطارد سرابا.

أتعلم منها دائما وفيها غالبا.. وأعود كما التلميذ أرجو المزيد من دروس المراجعة لكل حياتي.. أقف مشدودا إلى الشمس الحائرة في المنتصف بين الحضور والغياب.. هكذا لندن.. حيرة وخوف وألم وسعادة مفاجئة تمحو كل الخطايا.. لكنني أبدا حين أصل إلى مطار هيثرو مغادرا لا ألتفت ورائي، ولا أطلب مزيدا من الأيام.. أصعد إلى الطائرة دون وداع.. فقد تعبت من غياب الشمس وبرودة كل شيء حتى الوجوه الباهتة.

لكن دائما في انتظاري مفاجأة لا أتوقعها.. امرأة تحكي لي قصة مدهشة وكانت تلمس طرف مقعدي.. والسماء تمطر أكثر مما يجب وأكثر مما أتحمل.. أحكيها في مقال تالٍ.

اخترنا لك