فنجان قهوة بقلم: يسري الفخراني

يسري الفخراني

بعض من عرفت من العظماء!

من الأشياء المخجلة التي نفعلها دون ذنب أن القلم الذي يموت صاحبه..لا يجد من يدافع عنه في غيابه!

فعلنا ذلك مع العقاد وطه حسين وإحسان

عبد القدوس ونجيب محفوظ ويوسف إدريس ومصطفى أمين وأحمد شوقي ومصطفى محمود والمازني وكامل الشناوي ويحيى حقي وصالح مرسي .. والقائمة طويلة وليس آخرها:  أسامة أنور عكاشة ومحمود السعدني وأحمد بهجت!

ماذا فعل هؤلاء، أمضوا حياتهم في وحدة قاتلة مع الورق والقلم من أجل إبداع آلاف الصفحات التي ملأوها بالأدب والفن والثقافة والحياة. كان نجيب محفوظ يكتب خمس ساعات يوميا لمدة عشرة أشهر في السنة.. ما يساوي 1500 ساعة في نهاية العام.. ما يقترب من 100 ألف ساعة في عمره . ورحل دون أن يستمتع بما كتب.. وإن استمتع وهو يكتب. فماذا فعلنا لنجيب محفوظ في غيابه إلا إعادة طبع مؤلفاته في طبعات فاخرة ومحدودة. لا تتجاوز ألف نسخة . ثم طويناه كما أي تحفة قديمة متهالكة بترابها.. كيف تمر ذكراه دون احتفال ودون أن تتمكن أسرته من الذهاب إلى قبره لقراءة الفاتحة على روحه، بسبب غياب الأمن عن مقبرته البعيدة. أما تمثاله الوحيد في ميدان سفنكس بالمهندسين بالجيزة فقد تحول إلى بقايا بشر وحيوانات.

منتهى الألم منتهى القسوة. لا متحف يليق بأوراقه التي كتبها بخط يده وحروفه الصغيرة المرتعشة في آخر أيامه.. ولا مكان يليق بمؤلفاته في مكتبة عامة تخص الدولة يذهب لها الصغار لكي يتعلموا أن هناك بلدا يحترم ويحب مبدعيه . خسارة نجيب محفوظ.. فقد رأيته وعرفته عن قرب.. ولمست العروق في يده التي يكتب بها .. وسمعت نكاته الحارقة وحزنه على صديقه وأستاذه توفيق الحكيم.. فقد كانا معا في غرفة مكتب واحدة بمبنى جريدة الأهرام لسنوات طويلة.. وكانا شريكي مائدة واحدة في مقهى البوريفاج في الإسكندرية على البحر لسنوات أطول.. ولما مات الحكيم رأى محفوظ أن من سار في جنازته أقل بكثير من رواد مقهى في وسط البلد. وكان حزنه على مصير الأستاذ أكثر من حزنه على غياب الأستاذ.

أما إحسان عبد القدوس فكان يكتب أكثر من عشر ساعات في اليوم، مكتبه هو كل حياته، فنجان قهوته وسيجاره وورقه الملون وقلمه الحبر. غزير الكتابة مثل مطر في سماء استوائية.. أبدع مئات القصص الإنسانية، لكنه نسي قصته ونسينا قصته ومنحناه أقل من حقه وهو بيننا.. ولم نتكلم عنه لا قبل رحيله ولا بعد رحيله. حتى الصالون الأدبي الذي صنع من أجله في الأوبرا تحول إلى الكلام عن كل شيء إلا عنه.. وإبداعه!

والعبقري يوسف إدريس.. أستاذ القصة القصيرة، رائدها الفذ ومفكرها المتفرد، رأيته يبكي وكانت إحدى رواياته تعرض في مسرح كبير وهو يجلس في الكواليس، جاء من يخبره أن هذا هو آخر يوم في عرض الرواية . فلما سأل جاء من يقول له إنها رواية بلا جمهور وبلا بطاقات دخول وأن الممثلين لا يقبضون أجورهم!

ومع أنها لم تكن الحقيقة.. إلا أنهم لم يتحملوا أن يتردد فكر وكلمات يوسف إدريس على خشبة المسرح كل ليلة.. فأغلقوها وأغلقوا بابه الوحيد على السعادة. فهو كان حريصا على أن يذهب كل ليلة إلى المسرح ليشاهد روايته تتحرك.. ويستمتع بتصفيق الجمهور القليل المنتشي بالعرض.

الغريب أنه اعترض.. فلم يجد إلا موظفا لا يعرف من هو يوسف إدريس ولا قيمة يوسف إدريس.. فشوح بيديه في وجهه وقال له ما معناه: اعترض كما تريد.. أو اضرب رأسك في الحيط.. أي حيط.. فهذه الليلة الأخيرة!

ولما مات يوسف إدريس وجدوا في درج مكتبه أوراقا ينعى فيها نفسه وقلمه وعمره الذي قضاه في غرفة مظلمة يكتب ويبدع!

وكامل الشناوي .. الإنسان المتخفي في قصائد كانت أجمل ما كتب في المائة عام الأخيرة. ومصطفى محمود بكل أدبه الأنيق وفلسفته العميقة، وصالح مرسي ـ وكنت أحد تلاميذه وأصدقائه ـ فهو الذي ابتكر لنا أدب الجاسوسية بكل تفاصيله وكل خباياه وكل دهشته وكتبه بأرق العبارات وأرقى الأفكار.. وكان نجم الأدب لخمس سنوات على الأقل حين أطلق تحفته التي لا تنسى: رأفت الهجان . ماذا أخذ منا.. وماذا منحنا اسمه الكبير، ولو كتب صالح مرسي ما كتب في بلد آخر .. لصنع في حياته وبعد رحيله ثروة من المال والمكانة الأدبية التي لا تنسى. فهل كتبنا شارعا أو ميدانا باسمه .. وكان يستحق مدينة!

لقد تنبأ صالح مرسي بمصير السنوات التي دفن فيها نفسه في غرفته التي لا تزيد عن مترين .. وعلى مكتب صغير صنع كل روائعه ، وحين أهداني الجزء الأول من رواية رأفت الهجان كتب لي إهداء بحروفه الصغيرة فيه: “إلى ابني الذي سيضيع عمره وحبره مثلي بين الورقة والقلم.. ولن يبقى له في آخر الأمر سوى متعة الساعات التي قضاها كاتبا”.

كان ذلك من عشرين سنة.. وكلما سقط فارس .. سقط قلمه وطويت أوراقه.

وبرحيل محمود السعدني.. كنت أتأمل سرادق العزاء وفيه مئات الأسماء الكبيرة في كل المجالات.. وأظن أن عم محمود كان سيصبح أكثر سعادة لو اجتمع كل هؤلاء ليس في رثائه .. لكن لتدبير طريقة حقيقية للدفاع عن أسماء وحقوق ومؤلفات وإبداع كل فارس رحل!

ذهب السعدني وبهجت وعكاشة، ولعلني أكتب عنهم كتابا يليق أو أصنع برنامجا يساوي كفاح آلاف الساعات التي قضوها في معركة الكتابة، فالكتابة حالة صعبة أو مهمة صعبة، وهي نزف على ورق، كيف تأخذ من نفسك لتضع على الورق حروفا وكلمات، منتهى الألم أن يتحول الدخان على يديك إلى حياة.

كل كاتب ضحى بعمره وضحى بعلاقاته بأقرب الناس، لكي ينقل إبداعه للعالم، وهو يجد بعض الترحيب لو كان محظوظا وبعض الحب لو كان مجتهدا وبعض المال لو كان مرزقا ، في حياته.. لكن في نهاية العمر لا يجد سوى عدد قليل من الناس يسألون عنه ويسألون فيه. ثم تعلوا أصوات الموسيقى في جنازته وبكاء كثير ووعود أكثر.. وبعد أقل من يومين تدفن أعماله معه.

في بلاد تعرف قيمة الكلمة وقيمة الكاتب.. قصيدة واحدة تكفي، قصة واحدة تكفي، رواية واحدة تكفي، ليتحول الكاتب إلى رمز وإلى نجم وإلى ثري وإلى ماكينة أحلام ملونة، تجعله يعيش حياة سعيدة مستقرة يبدع أكثر ويكتب أكثر وينام بعمق أكثر.. وعندما يموت يجدون في أوراقه ما يكفى عائلته الفقر والحيرة، ومع ناشريه عقودا لإعادة طباعة كتبه بالملايين.

شعور قاتل أن تدفع ما تدفعه للكتابة من العمر في مساحة صغيرة بين الورقة والقلم.. وبين أصابعك وحروفك .. تضع نصفك وأكثر على الورق باختيارك .. ثم تدرك تماما أنه حتما سوف يأتي يوم.. تطوى وتنسى ولا يتذكر أحد أن يشتري ما كتبت من أرفف مكتبة.. بينما مئات الكتب التي لا معنى لها .. تجد من يدافع عنها ويهلل لها ويسوق لمؤلفين بلا موهبة وتطبع عشرات الطبعات.

كل ما أملكه ونملكه أن ندعو لهم الله بالمغفرة.. ونشترى كلما تيسر كتابا من مؤلفاتهم الجميلة.. نتعلم منها ونعيش عليها .. المهم من يضمن لنا أن يذهب ثمن ما نشتريه إلى الورثة وليس فقط إلى الناشر.. وهذا أضعف ما يمكن أن نقوم به لعائلات افتقدت كبارها كثيرا من الوقت وهم على قيد الحياة .. وفقدتهم للأبد برحيلهم.

من حق عائلات كبار المبدعين أن يعيشوا حياة كريمة ولو كان بميراث من ورق.. وأن يفرحوا أن آباءهم كانوا هؤلاء العظماء.

لقد كنت محظوظا أن رأيت الكثير من هؤلاء، وجلست لهم وجلست معهم وسألتهم وتعلمت منهم، ومن حسن حظي أنني حصلت منهم على كتبهم بتوقيعهم، صالح مرسي ومصطفى محمود والسعدني وأسامة أنور عكاشة ونجيب محفوظ وأحمد بهجت .. وفي كل مرة أستعير كتابا من مكتبتي استعيد عمرا من أيامي الجميلة التي كانت فيها صحبة الكبار أكبر جائزة أحصل عليها من عملي في الصحافة، لكن دمعة تذرف لفراقهم وكثير من الدموع على أنهم لم يحصلوا في بلدهم على ما يستحقونه منه.. وهو كثير جدا.

ولابد أن دموعا أخرى على ما مضى من عمري وعلى ما هو قادم، ففي المنتصف يقف الإنسان لكي يسأل نفسه سؤالا بديهيا: إلى أي الطرق يكمل المشوار.. طالما هو يملك خريطة طريق رسمها من سبقوه بكل إبداعهم الذي لا يتكرر ومكانتهم التي لا تقدر.. فهل من الإخلاص البحث عن مهنة أخرى؟ أم من الإخلاص أن أقول الحمد لله يا رب على منحة الكتابة وعلى محنتها أيضا.

وسوف أفعل ما فعله أساتذتي، آخذ من الكتابة على قدر استمتاعي بوقت الكتابة، ولأصنع جنة من ورق.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك