فنجان قهوة وصفة مجربة: طاقة الحب! بقلم يسري الفخراني

“فوضى الحواس”.. عنوان رواية شهيرة للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي، لكنه العنوان المفضل الذي أصف به ما تمر به امرأة الأربعين؛ فوضى من المشاعر والأحلام والكوابيس والأمنيات والقرارات.. فوضى تربك أشياء كثيرة داخلها..  تجعل منها قاربا صغيرا في بحر عميق.. لا هي على بر ولا هي في الطريق إلى شاطئ.

هذه الفوضى ـ على الرغم من قسوة الوصف ـ هي نقطة القوة التي يمكن أن تعتمد عليها المرأة في تحويل الفوضى إلى طاقة مذهلة يمكنها الانطلاق منها لتغيير حياتها، من دون الفوضى التي تشعر بها المرأة تحيط بحياتها وتخنقها وتحولها إلى أسيرة عادات مملة وكئيبة.. لا أمل في تغيير.

من المؤكد أنه ليس كل امرأة أربعينية تشعر بحزن العمر الذي أصبحت جزءا منه بكل ما فيه فهناك مشاعر متفرقة؛ بعض النساء يشعرن بالخمول أو الاستسلام أو فقدان الحيوية والنشاط ولمعان الجمال.. لكنها مشاعر تعتقد أنها عابرة أو تتعامل معها بطريقة لا تجعل الأمر يبدو مشجعا على التغيير.

لكن المرأة اليقظة الذكية هي الأكثر تعرضا لفوضى الحواس في هذه السنوات الأربعينية؛ إن يقظتها وذكاءها يصبحان أسئلة شائكة تبدأ بماذا بعد؟! وماذا يبقى؟! وماذا حققت من أحلامي؟! وماذا قدمت لنفسي؟! وماذا قدم لي كل من حولي.. أقرب الناس لي؟! متى أحصل على حقي كاملا في الحياة؟ كيف أتغير؟ هل يجب أن أصبح في مكان أفضل؟ هل أستحق أن أكون امرأة ناجحة؟ ما هو النجاح؟ كيف يمكن أن أرضى عن نفسي؟ كيف أقاوم أعراض السن؟ كيف أحتفظ بصحتي وجسدي؟ كيف أعالج آثار السنوات التي ترسبت داخلي مثل طعم الملح؟ من يمكنه أن يساعدني؟

تتحول المرأة الذكية من صندوق يجمع أشلاء السنوات.. ذكريات بعضها حلو وبعضها مر.. تتحول إلى روح ذكية تطارد الأسئلة الصعبة للحصول عمليا على إجابات صحيحة واضحة محددة تمكنها من التغيير.

من حق المرأة ـ ولنتفق ـ أن تتغير للأفضل.. أن تصحح مسارها ومسيرتها.. أن تمتلك نقطة تحول ومفاتيح تحول وقوة تحول.. وهذا لا يغضب إلا رجل ضعيف أو مجتمع يرى أن تظل المرأة في كل سنواتها مثل فتافيت زجاج!

وماذا بعد سنوات النصف الثاني من العمر؟!

تذهب إليه المرأة ومعها حصيلة جيدة من خبرات الحياة وتجارب الحياة ومواقف الحياة.. تذهب إليها وهي تعرف أن هذه السنوات وقت الحرص الشديد على كل ما تملك؛ فكل خسارة هنا لا تعوض وإذا حدث فسوف يكون تعويضها له ثمن أكبر ووقت أطول.

ماذا يبقى؟ عمر من أجمل سنين العمر لأنه الأغلى.. لأنه أيضا الأهم الذي تمتلك المرأة فيه الكثير من طاقتها ووقتها اللذين كانا ضائعين على تأدية أدوارها في الحياة: ابنة. زوجة. أم. عاملة. طالبة. الآن حان وقت النظر بجدية في الأيام التالية لكي تلعب دور البطولة في تنفيذ حلمها الحقيقي أو مهمتها التي كانت مهملة.

سوف يسعد كل من حول المرأة حين يجعلها تستعيد فكرة أنها امرأة لها حاسة مختلفة وإحساس نبيل بحياة نبيلة.. حياة كلها أمل وكلها سعادة.

 روعة المرأة في أنها كما تبحث عن السعادة فهي أيضا مصدر السعادة، لكن هذا لا يتحقق من دون أن نكون نبلاء معها.. شركاء لها في مسؤوليتها.. إنها الآلة الرئيسية في العزف.. ولا يعني هذا ألا نعزف جميعا معا.. لا يمكن أن نتركها في هذه السن وغالبا فيه تكون قد أهدت الحياة لأبناء في عمر المراهقة أو على وشك أو ربما في مرحلة التخرج.. ولزوج شبع من وجودها إلى جواره حتى أصبح أقرب إلى ضيف عابر في بيتها.. وعمل تحملت فيه بحماسة السنوات الأولى جهدا لكي تثبت أنها جديرة بالعمل فيه ثم.. ببطء وهدوء ودون إحساس بذنب يسلمها الجميع إلى وحدة قاتلة!! يتعاملون معها معاملة من انتهى دوره على خشبة المسرح وينتظر انتهاء الرواية لكي تحصل على بعض التصفيق والستار يغلق.

على الجميع أن يدرك هذه اللحظة الفاصلة في العمر لكي يكون حكيما وهو يتعامل مع المرأة في هذا المفترق.. يساعدها بحرص على تجاوز المشكلة بمواجهتها وليس بالهروب منها.. المساعدة هنا: بالكلمة الطيبة التي تساند وتعيد معنوياتها إلى مستوى تستطيع به أن تواجه ثلج العاصفة.. باللمسة الحنون التي تعيد رونق البشرة والأحاسيس.. بالتصرف الناضج الذي يعني لها أن عندها مهام كبيرة في انتظارها تجاه الجميع.

ليس أصعب على الإنسان أن يدخل فجأة بقدميه مساحة من الزمن ينفض الجميع من حوله أيديهم برفق لكن بقسوة.

إذا أردنا إنسانا يوفر لنا ابتكارا جديدا للحياة.. فهذه امرأة الأربعين تملك بشرط أن نكون معها.. إنها صانع الحرير الماهر إذا توافر لها ربيع مشمس وشجرة توت!

من عمر الأربعين حتى عمر الستين.. عشرون عاما من البهجة.. قوسان من العمر مغلقان على حياة ثانية يجب أن تصنعها المرأة وتعيشها لكي تستمتع ونستمتع معها.. أيا كان موقعك من امرأة الأربعين فإنك مسؤول عنها. ليس بالضرورة أن تعلن حزنها أو تعلن خوفها.. هناك ملايين النساء يبلغن الأربعين ويكتمن كل ما يخطر على بالهن من أسئلة.. لعل بعضهن يدرك أن اعتراف الواحدة منهن لن يجدي ولن يجد تعاطفا من أحد.. هذه تعيش سنوات صعبة أكثر صعوبة من أسئلتها بكثير. إنها ترتدي كل ما تملك من أقنعة لكي لا تشغل بال من حولها بما هي فيه.. والأكثر حبا أن نتحد معها.. نفهمها.. نتعاون مع طوفانها الذي يغير مكانه ومزاجه الشخصي.

أنصح: أن تغير العائلة نظامها من أفراد يسير كل واحد حسب مصلحته الخاصة إلى نظام جماعي. جلسات عائلية وسفر عائلي وسهرات عائلية.

المرأة هنا يجب أن تواجه الدائرة التي سوف تفرض عليها بالوقت، وأن تكون هذه المقاومة بالعقل وليس بالعاطفة التي يمكن أن تفسد بها كل شيء باندفاع متوقع نحو الانفعال والثورة والغضب.

معذورة المرأة في فوضى حواسها حين تشعر أن لا أحد يشعر بكل ما تمر به من تغيرات بيولوجية ونفسية.. من ثغرات في حالتها النفسية وعطل مفاجئ في أجهزة جسدها الذي أنهكته طبيعة المرأة.

المرأة الذكية تقف قوية تجمع قلوب من حولها من أجل أن يقدموا لها مساعدة حقيقية تعبر بها الظروف الصعبة التي تأكل أوراقها الخضراء في نهم ولذة.

يعتقد علماء وباحثون أن هناك طاقة جديدة تولد مع المرأة في هذا العمر. طاقة مختلفة عما كان معها في السنوات الأولى. هذه الطاقة تشعرها إما بالقوة الشديدة أو الضعف الكبير. يتوقف استخدام هذه الطاقة بمعناها الإيجابي أو بتأثيرها السلبي على استعداد كل امرأة. هل هي مستعدة لتحويل هذه الطاقة إلى روح جديدة تبدأ بها حياة شعارها “أكون أو لا أكون”.. أم أنها تفضل لذة الاستسلام والشكوى وانتظار الشفقة والحنان بسبب السرعة التي تتهاوى بها نفسيا وصحيا؟

العاقلة القوية والذكية تختار أن تجعل طاقتها إيجابية.. وتسميها طاقة حب لكل ما هو ماض وحاضر ومستقبل. إنها ترى أن الفرصة جاءت لكي تخرج من عباءة الضعف والقلق والانتظار.. وتسافر إلى مرحلة جديدة تنطلق فيها إلى طموحات لم تكن ممكنة دون أن تخسر نفسها. لا تبدو هنا مثل لاعب سيرك على حبل، بالعكس تبدو أكثر مثل عصفور على شجرة يحافظ على توازنه دون أن يفقد حريته.

البدايات مهما كان وقتها ممتعة، فإنها تعني أن الحياة ما زالت ممكنة وقائمة ومستمرة، وأنها ممتدة حتى آخر العمر.. البداية هي لعبة التخمين!. على كل صفحة قبل أن تقلبها تخمن ما هو القادم فيها؟

إن اللعبة في حد ذاتها تبعث الأمل في النفوس، وتجعل الحياة مثيرة تستحق أن نعيشها وننتظر منها شيئا ما في وقت ما..

فوضى حواس امرأة أربعينية هي طاقة تبعث انفجارات علنية.. على المرأة أن تنتبه إلى أنها بالإمكان أن تكون أفضل مما كانت وأكثر سعادة. والجميل أن كل سعادة ستحصل عليها سوف يكون لنا نصيب فيها.. فالبداية من عند المرأة إذا أردت أن تكتشف كيف يصنع بسطاء القلب سعادتهم الخاصة.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك