فنجان قهوة بقلم: يسري الفخراني

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

يسري الفخراني

الحاسة السابعة عند الأمهات..!

تستيقظ الأم مفزوعة من نوم عميق وتذهب إلى غرفة طفلها لتجده على حافة السرير يوشك على السقوط!

ماذا حدث وكيف عرفت ولماذا قامت؟ إنه قلب الأم، هو نفسه الذي يشعر بابنها على مسافة آلاف الأميال.. هي في بلد وهو في بلد.. لكن الإشارات بينهما لا تنقطع . يبكى لحزن أو ألم فينقبض قلبها وتبكي مثله في نفس اللحظة وهي لا تعرف لأي الأسباب تبكي.. لكنها تؤكد لكل من حولها أن ابنها في أزمة.. ومهما حاول الجميع أن يؤكدوا لها العكس تصر هي على أن ابنها في مشكلة ما.

هذه ليست الحاسة السادسة التي يمتلك بعض الناس أسرارها.. هذه حاسة الأم..الحاسة السابعة. الإحساس الذي يجعلها من فرط الحب تدرك عن بعد أشياء كثيرة غامضة ومجهولة. إنها الوحيدة التي تعرف هل ابنها جائع بردان خائف.. هذه الحاسة التي لم تخضع لدراسات علمية معقدة يمكن أن نفسرها أو نرتبها أو نفكها.. فهي خلطة من حب شديد النقاء دون أي شوائب مع مشاعر صافية إلى حد الطهارة وعطاء صادق لا ينتظر أي عائد في أي وقت.

يمكن أن ندخل أكثر في التفاصيل الدقيقة ونقول إن هناك لغة من الحوار اللاسلكي تنشأ بين الأم والطفل من اللحظة الأولى التي يتشكل فيها ملامحه في بطنها!

اكتشف علماء أن ذبذبات معينة تنشأ بين الجنين في الشهر الثالث وبين الأم.. هي اللغة التي يتكلم بها الجنين مع أمه فتعرف تماما ما هي احتياجاته من الدفء والطعام والنوم والحركة. هذه الذبذبات لا تنتهي بالولادة إنما تستمر.. لكن يختلف بقاؤها من أم إلى أم حسب علاقتها بالطفل بعد ذلك. الأم التي ترتبط بطفلها وترعاه بنفسها وتعتني به كأنه مازال قطعة منها تظل هذه الذبذبات قائمة وتنمو وتتحول من مجرد إشارات إلى إحساس كامل به.. بكل التعقيدات التي تحدث للطفل بحالات النضج. بينما الأم التي تضع بينها وبين طفلها خادمة تعتني وتربي وتعلم.. تفقد هذه الميزة الرائعة من الإحساس.

هناك أم تحرصن على تنمية حواسها تجاه أبنائها. إنها تلغي المسافات المفترضة وتبقي على الإشارات بينها وبين ابنها مهما مضى من عمر أو مهما كان العمر.. تفعل ذلك من دون أن تدرك أن لديها قوة مذهلة على التنبؤ والمعرفة.

كيف نفوت قصة امرأة اتصلت بابنها بعد منتصف الليل تطلب منه أن يوقظ زوجته وأطفاله ويحضر إليها لأنها مريضة وتريد أن تراه قبل أن تموت.. ويلبي الابن النداء وهو منزعج من الفكرة.. ويقنع زوجته أن تذهب معه.. وبمجرد أن يذهب إلى بيت أمه يعرف خبر سقوط المنزل. حدث هذا في الإسكندرية قبل عشر سنوات. وقد سألوا الأم وقالت: لقد استيقظت وكنت أضحك بشدة في الحلم.. لكن قلبي مقبوض.. وكنت رأيت ابني في بيته ينادي أن أنقذه فشعرت أن شيئا سوف يحدث له.. فطلبت منه الحضور.

وفي قرية فقيرة توفي ابن شاب وترك أمه وحيدة تبكي فراقه وتدعو الله أن تلحق بابنها الوحيد.. وبعد دفنه بخمس ساعات سمعته يناديها أن تذهب له.. وذهبت في الليل ونبشت القبر فوجدته على قيد الحياة!

ووجد أن المرأة في الريف أو في الصحراء أكثر قدرة على أن تخاطب أبناءها عن بعد.

ووجد أيضا أن أجهزة الاتصال الحديثة عطلت قدرات الأم على الاتصال بأبنائها.. وأن أسلوب الحياة في المدينة أفسد هذه الحاسة الفطرية أو جعلها تتراجع .

تحكي أم عمرها الآن ثمانون عاما أنها انتقلت بعد زواجها من ستين سنة إلى مدينة أخرى بعيدا عن بيت عائلتها.. وعاشت وأنجبت عشرة أطفال.. وكانت أمها تشعر بآلام الولادة فتأتي لها من المدينة البعيدة وتظل تبكي نفس آلام ابنتها حتى تلد!

وفي إحدى الحروب. فقدت الأم ثلاثة من أبنائها، ورفضت أن تستخرج شهادة وفاة إلا لواحد فقط.. أما الاثنان فقد كانت تؤكد أنهما على قيد الحياة.. وأنهما يتكلمان معها لكنها لا تستطيع أن تفسر تماما في أي مكان يعيشان. وظلت هكذا والناس تعتقد أن الصدمة أصابتها بلوثة.. وفي يوم طلبت استخراج شهادة وفاة للابن الثاني.. وسألوها لماذا؟ فقالت إنه مات من يومين.

وبعد خمسة وعشرين عاما عاد الابن الأخير إلى بيته.. وفتحت له الباب كأنه كان معها.. وحكى لها كيف استشهد الأول.. وكيف مات الثاني.. وكيف عاد هو لها.. والغريب أن كل الحكاية كانت عندها.. وتكملها له!

قلب الأم هو ليس فقط أحن القلوب.. لكنه أكثرها قدرة على اختراق الزمن والمسافة.. فهي تشعر بالماضي وإن لم تكن حاضرة.. وتقرأ المستقبل لو كان خاصا بأبنائها.. وتحس بأي خطر أو حزن يمر به ابن لها مهما كان يفصلها عنه من مسافات طويلة جدا.

أما دعوة الأم المستجابة لأبنائها فهي إحدى المعجزات التي منحها الله للأم الصادقة الصافية في أمومتها.. ليست كل أم تستحق أن تمتلك هذه المعجزة.. لكن أغلب الأمهات المخلصات في تربية أبنائهن يحملن هذه المعجزة التي تحول الدعاء إلى استجابة من الله.. وفي تفسيري البسيط أن الله منح الأم هذه المعجزة التي تؤكد مكانتها الخاصة عند الله سبحانه وتعالى.. وتقديرا لهذه المخلوقة الضعيفة التي أرهقها الحمل والإنجاب والاعتناء بالطفل والخوف عليه وحتى تشعر أن يد الله ترعاها وهي تقوم وتمارس هذه المهمة الصعبة للغاية..

إنها مثل الأنبياء في الاحتياج إلى معجزة لكي تنجز تربية شخص مميز في الحياة.. هذا الشخص سوف يصبح ملهما لعائلة بأكملها في المستقبل.

إن قلب الأم لا يعرف جنسية ما أو دين ما أو مكان ما.. كل الأمهات الفاضلات اللاتى يحترمن أمومتهن منحهن الله قدرا من الطيبة وقوة في العطاء وطاقة رائعة على التحكم في أطفالهن. منحهن الله: الحس والحاسة والإحساس.. وجعل دعوة الأم تمحو الأزمات وتخفف الألم وتزيل الصعاب من الطريق .

من أجمل دعوات الأم: ربنا يوقف لك أولاد الحلال.. ويحبب فيك خلقه.. ويفتح في وجهك أبواب رزقه.

والمعنى أن الأم اختارت لأبنائها خير الدعاء: الحب والأمان والرزق والستر والعافية ورضا الله والصحبة الطيبة والابتعاد عن الحسد.

إننا نضع قبلاتنا على رأسها ويديها وجبينها.. على أمل أن ننول من بركاتها.. وأن ترضى عن علاقتنا بها.. وهي ترضى.. دائما ترضى بالقليل.. فهي تسامح لأهون سبب وتنسى لأصغر وأدق ابتسامة من أولادها في وجهها.

وتبقى الأم هي ورقة الشفاف التي يمكن أن نرسم بها كل ما يخبئه الشخص من أسرار.. إلى هذه الدرجة منحها الله سر فهم ومعرفة ابنها.. بسهولة تنظر في عيني ابنها مهما كان عمره لتعرف كم هو سعيد أو حزين أو مبتهج أو مهموم؟

ويقول المثل: يبقى الرجل طفلا حتى ترحل أمه.. فيكبر فجأة .

وحتى آخر العمر.. يظل الرجل يتذكر كل لمسة وكل كلمة وأي شيء تركته الأم فيه . وتبقى المرأة تلميذة في مدرسة أمها.. تستعيد كل دروسها عند كل مأزق أو مفترق طرق.

حنانها يبقى بما يجعلنا دائما في حنين إلى خبزها وطعامها وقرراتها وإنزعاجها علينا.. وأجمل ما تفعله أن تحيي ذكرياتك معها.. وأن تختبئ في عالمها السحري.. كانت معك أو غادرت الحياة في لحظة لا تريد أن تتذكرها.

الأمهات..لا تموت. إنما تظل حية في قلوبنا مدى الحياة.

اخترنا لك