كتاب اليقظة

فنجان قهوة يسرى الفخرانى – شوية أمل

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

نهار خارجي.. ضوء خافت

 الأمل: هو الضوء الذي نتخيل وجوده حين ينقطع النور فجأة، يجعلنا لا نخاف من الظلام، ونشعر في كل لحظة أن النور المقطوع سوف يعود بين غمضة عين وأخرى، يطرد عنا الخيالات المرعبة، ويقنعنا أننا نرى خطوتنا التالية دون أن نقع، الأمل نعمة من الله سبحانه وتعالى وليس جنونا، يحمله أصحاب القلوب المحبة للحياة، ولا مرض يجب العلاج منه، هو الأمل، لا تحرم نفسك من الأمل فهو الذي يصنع لك البداية كلما أوشكت على الهزيمة.

ليل داخلي.. حلم ممكن

الحياة صعبة، ولا أتمنى أن نضاعف صعوبتها أو نجعلها أكثر قبحا وأكثر عتمة وأكثر حزنا، أتمنى أن نخفف هذه الهموم التي نعيشها ولو لبعض الوقت من أجل أن نصبح أكثر قدرة على تغيير حياتنا.

يجب أن نفكر ونحلم ونتمنى.. ونحن نشعر أن هناك أملا، الحياة بدون أمل موت نهائي لا رجعة فيه، ويجب أن ننظر للنصف الشجاع داخلنا.. النصف الجريء.. النصف الذي يؤمن أنه قوي بما يكفي ليتحمل الضربات الموجعة والصدمات الكبيرة.. لكنه في الوقت نفسه يدرك أنه سينجح في تغيير حياته إلى الأفضل ولو بعد حين.

الحياة صعبة.. لكنها حلوة، تستحق أن نعيشها ونفرح بها ونكون سعداء معها.

منتصف نهار داخلي.. من أنت؟

أنت ليس أقل من أحد، الذين نجحوا في تغيير حياتهم وواقعهم المر.. ليسوا أقوى ولا أفضل ولا أشطر منك، هم فقط وضعوا ظهورهم لحائط الحياة وانطلقوا، كانوا مفلسين مثلك من النجاح.. لكنهم أغنياء بالقوة والإرادة والرغبة في النجاح.

دائما كان عندهم أمل.. والأمل نور من الله يهديه لمن يرغب في أن يفعل شيئا بحياته.. ويفعل شيئا لحياته.

لم يخلق الله أي شيء سهل، الإنسان خلقه على مهل، والكون خلق في أيام، والأنبياء عاشوا أصعب حياة وأصعب معاناة وأصعب ظروف من أجل أن يصبحوا أنبياء الله بكل تواضعهم الجميل ورسالاتهم العظيمة.

فمن أنت؟ أنت شاب يريد أن يجعل لحياته معنى وقيمة ويشعر بطعم الأيام السعيدة، هذا حقك.. فماذا فعلت سوى الانتظار.. وماذا فعلت سوى أنك تلعن الظلام بينما لم تتحرك نحو الشمس.. ماذا فعلت سوى التعامل بالنصف البائس الضعيف المهزوم داخلك، ولا تقول لي من فضلك: حاولت.. وفشلت. وما هي الحياة إلا محاولات مستمرة لتغير واقعك.

نهار خارجي.. حلم مستحيل يتحقق

هناك قصة امرأة شابة تجعلني دائما أتوقع الأجمل.. بعد كل فشل، هذه المرأة تزوجت وعمرها 22 سنة، وظلت تحاول الإنجاب طوال 15 سنة، وفي كل مرة كانت تحمل جنينها.. كان يموت في بطنها في الشهر الثالث أو الرابع، تكررت المأساة خمس مرات تقريبا، وفي كل مرة كانت تقف بين الحياة والموت، وإلى الموت أقرب، وعندما تعود لتكرر الحلم.. كان الأطباء يحذرونها من الموت في أي لحظة، لكنها أصرت على البحث عن حلمها المفقود بطفل يقول لها: صباح الخير يا أمي.

وكانت تقول لنفسها وزوجها والناس: إذا كان مكتوب لي أن أموت الآن.. فسوف أموت لأي سبب، وإذا كان مكتوب لي أن أعيش مع طفل.. فهذا رزق من الله أسعى له، فتركوها تحاول وتتعذب وتصر وتحافظ على نقطة الأمل داخلها، حتى رزقها الله ثلاثة أطفال، عاشوا وعاشت!

في أي لحظة يمكن أن تشرق الشمس دافئة موحية رائعة.. المهم أن نبحث عنها ونتحرك لها ونقول يا رب.

لن يخذلك الله أبدا. سوف يمنحك دائما مزيدا من الأمل لتبقى.

ليل خارجي.. حبر وورق

نكتب لمن؟ إذا كان لا أحد يقرأ.. إلا قليلا، من هذا القليل.. لا يفهم المعنى والفكرة التي يريدها الكاتب إلا الأقل، وهكذا.. فالمهمة صعبة والموهبة تنصهر مع السنين فتتحول إلى نهر من حروف كثيرة. ملايين الحروف يجرفها تيار وعاصفة إلى بحر مالح يأكلها فلا يبقى منها شيء يذكر، كم سنة كتبت وكتب غيري؟ كم حرف وكلمة وجملة وتعبير وفكرة ورغبة ورأي؟ كم وضعنا نقاطا فوق حروف وفاصلة بين جملة وجملة.. تخيل جبال الكلمات التي سهر كتابها يبحثون عنها في ليل أو بدايات نهار؟

كنت أفكر في إجازة نهاية الأسبوع في كم الأصابع التي ودعناها إلى مثواها الأخير، رحلت بعد أن دفعت ثمن لا يحتمل للإبداع، على قدر ما في الكتابة من متعة على قدر ما تحمل من قسوة وجهد وألم، ينحت الكاتب كلماته من جسده وعقله، يرويها دماء صافية، يتقوس ظهره من كثرة ما يحمل من كلمات.. وتغضب شرايينه قبل الأوان من تفكير عميق يبحث به عن عبارة مبدعة تبهر قارئ، للكتابة وجعها الذي يشبه لحظات الولادة بكل صدقها وتعثرها، تشبه ارتطام موج بصخرة في نوة بين عامين.

تبقى ميلاد القصة واكتمالها، والرواية ونهايتها، والمقال وآخره، تبقى هذه اللحظة هي المكافأة الحقيقية التي يحصل عليها الكاتب، على الأقل في عالمنا العربي، حيث كل شيء يعتمد على ثقافة قليل، البشر والعقل والمنطق والثروة والسلطة.

لم يحصل كاتب في العالم العربي على ثروة أو سلطة.. بالعكس ظل مطاردا من أصحاب الثروة أو السلطة. لسبب بسيط هو أنه يحمل مصباحه ويمضي لينير للعالم ظلامه، ويكشف لمن يقرأ الواقع بكل تفاصيله، يحرض الآخرين على التفكير، وهذه في حد ذاتها جريمة يعاقب عليها قانون العالم الثالث.. إن لم يكن بالحبس.. فالفقر والقهر.

هذا وطن مر عليه: العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم والطيب الصالح وصالح مرسى ويوسف إدريس وإحسان عبدالقدوس وعبدالوهاب مطاوع، وخيري شلبي والمازني وشوقي.. وبحر من كتاب ومبدعين لا يحصى، علام حصلوا.. ليحصد غيرهم، هذه قامات عملاقة أقلهم يبست أصابع يده أو مات بانفجار في المخ، تركوا ملايين الصفحات المكتوبة التي نهبها ناشر أو تجاهلها قارئ، كم رسموا موانئ من حروف.. فلم يرس عليها إلا قليل قليل من بشر!

حين تتحول الموهبة إلى مهنة، إلى باب رزق، وسيلة ليعيش منها الكاتب، يجد ألف قارئ يشترون كتبه، يحصل من الناشر على قرش واحد عن كل كلمة يكتبها، وأغلب الناشرين يدعون الفقر ويهربون من تقدير إبداع الكاتب مهما كان حجمه وقيمته، فلا يجد إلا أن يواصل نحت ونحر نفسه وموهبته لكي يعيش، ولو كان لدينا عشرة ملايين قارئ في العالم العربي لأصبح ورثة المبدعين أثرياء من عائد المؤلفات، واختصر كل مبدع إبداعه إلى رواية أو ثلاثة، لكن الحقيقة أن أقل من مائة ألف مواطن عربي يشترون الكتب، ويفاصلون في سعرها!

يبقى، قارئ أو عشرة، يبل ريق الكاتب إذا قرأ.. بكلمة حلوة تجعله طفلا صغيرا سعيدا منتشيا بما كتب، حتى يصحو في كل الأحوال على واقع حياة صعبة، لا تفتح بيتا بالكلام المكتوب ولو كان مبدعا، ولا تعترف بالورق المطبوع بديلا عن الفلوس أبدا. لكن يبقى في كل الأحوال الأمل.. على الأقل لكي نستمر في الكتابة.

نهار مبكر خارجي.. طفل يضحك

طفل صغير وبالونة في سماء، تعلو وتهبط، مضحكة في نهار عيد، زحام أمام ممر مؤد إلى سينما، مشهد متكرر منذ عشرات الأعياد الماضية، منذ كانت سعاد حسني على نفس الأفيش تغني يا واد يا تقيل، أيام معدودات للبهجة، في وصف الدكتور أحمد عكاشة: سعادة مؤقتة، هروب اضطراري إلى فرح يجب أن يتم للبقاء على قيد الحياة، يأتي العيد ومازلنا نتوقف عند نفس الأمنيات القديمة، والعبارات المتشابهة والفرحة الناقصة التي لا تروي بهجة ولا تغني عن حزن.

طفل يبكي هديته المكسورة على الرصيف، طفل يبحث عن آخر جنيه في عيديته التي توقفت عند نفس الرقم رغم غلاء المعيشة، طفل مندهش كيف يمكن أن يكون العيد عيدا بعشرين جنيها؟! وطفل يقول لطفل: العيشة صعبة والعيدية مش مكفية واحد كنتاكي وتذكرة سينما وكيس بمب.

كيف نعيش الزمن القادم؟ يقال إن القادم أجمل، هاهاهاها، طفل يضحك ضحكة غير طفولية، وطفل يلصق طفلا على قفاه ويقول: إذا كنا لا نعرف الضحك اليوم فهل نعرفه غدا؟

الأزمنة تتغير، لكن الأعياد لا تتغير، نفسها الطقوس، عيدية وبالونة وسينما وزحام وكشري ونظارة شمس وجيب منفوخ حلويات ملونة.

زاد على الحياة ماكدونالدز، كما زاد على العيد: مولات تمتص العيدية حتى آخر قرش.. لكن بها سلالم متحركة وبنات حلوة.

البنات أصبحن أجمل، أطفال لكنهن يحملن شيئا له معنى، والنساء.. حائرات في أيام ليس فيها إجابة واحدة صحيحة لسؤال.. ما هو الخطأ وما هو الصواب.. ما هي الحياة وما هو الموت؟ ما هو اليأس وما هو الأمل؟

انطوت أيام صفاء أبو السعود حين كانت شابة.. لكن عيدها وهي تستقبلنا بأغنيتها عن العيد في الصباح مستمرة، وذهبت ليلة العيد بصوت أم كلثوم.. وأصبحت ليلتها تمر في خناقات من النوع الساذج بين رجل وزوجته عن مصروف البيت، يتخلل العيد مشادات على هامش الدفتر عن جدول الزيارات العائلية، بمن نبدأ وبمن ننتهي، كما سؤال تقليدي: أين تذهب هذا المساء؟

بالونة الطفل، تحلق تكاد تفلت من أصابعه فيبكي، هل البالونة هي نفسها الحياة متنكرة في صورة كرة هواء منفوخة على الفاضي، ولو.. جميلة الحياة ولو كانت مجرد وهما نتشبث به حتى لحظاتنا الأخيرة ونتخانق من أجله.

في العيد، يقول واحد كئيب ابن كئيبة: لا تفرحوا.. كيف تفرحون ولنا ناس يموتون من الجوع أو البرد.. أغلقوا أفواهكم المفتوحة عن الضحك. لكنه العيد.. والله هو الذي أمرنا بالسعادة فهل نعصي لله أمرا؟!

من كثرة الأسئلة العالقة والهموم التي تنفخ فينا، تطق البالونة، ويبكي الطفل، مع أنه نهار عيد. لكن يبقى الأمل لننتظر أعيادا أخرى. مزيد من الأعياد. انتظارها أجمل من حضورها.

1 Comment

Leave a Comment