فنجان قهوة بقلم : يسرى الفخرانى

     يسري الفخراني

          السر: التفاصيل الصغيرة!

نقول الله على كل الأشياء الجميلة التي تقابلنا في حياتنا. كل الأشياء المذهلة والمدهشة والمحيرة والرائعة والبديعة. الله.. على ابتسامة طفل يترك ثدي أمه للحظة لينظر في عينيك دون توقع، على زهرة حلوة شقت جذع شجرة يابسة، على مطر اختلط بأشعة الشمس في لحظة استثنائية، على هدف مفاجئ يحرزه لاعب من زاوية صعبة بحركة رشيقة، على كلمة طيبة تقرأها وأنت غارق تماما في حروفها.

نقول: الله.. بصوت مرتفع، بطريقة أقرب إلى الصرخة، بحب يغمرنا، كأننا نصلي.. كأننا نريد أن نلمس السماء بحروفنا. الله.. كل اللغات تقولها بنفس الأداء الذي يعني أن الكلمة خرجت من القلب تصرخ مثل أي طفل مولود.

الله.. على قمر مطل في ليلة صافية، على فراشة ملونة تقفز من حبة توت لوردة بلدي، على لقطة ممتعة في فيلم، على حوار ناعم في رواية.

الله نقولها لنستريح.. نغادر الآلام المغروزة في نفوسنا إلى سماء ناعمة دافئة موحية بالحواديت كحضن أم.

هل انتبه أحد إلى أن الله هدانا لكي نقول الله. بدون تفكير بدون خطة مسبقة. هل انتبه أحد أن هذا النداء العفوي إلى الله.. يخلص الإنسان من عذابه وتوتره بمجرد نطقها.

الله.. نقولها على الأقل عشر مرات في اليوم على أشياءنا الجميلة التي نقابلها في حياتنا. كل ساعة يتخلص جسدك من القلق.. تتساقط المشاعر الرديئة على الأرض لتكتسب غيرها جديدة وجيدة.

إننا نكتسب طاقتنا من الكلمات التي تخرج من القلب بصدق.

عندما نهتف من قلوبنا: الله.. مثل أطفال صغار نخطف طاقة من أقرب سماء لنا.

الحب في أسمى صوره هو حب الله سبحانه وتعالى ورؤيته في ملامح مخلوقاته. أنت تتذكر الخالق الذي خلقك وخلق لك ما يمتعك.. ما يجعلك تهتف من أعمق نقطة في نفسك: الله.

نصيحتي دائما أن تجري خلف التفاصيل الصغيرة لتلتقطها وتلتقط منها سعادتك، كل تفصيلة صغيرة في حياتك سوف تجد أنها مبهرة.. وأنها كبيرة وأنت أصغر. مهما كانت.. راقب العصافير في أول النهار لتعرف أن هذه المخلوقات الصغيرة الضئيلة الضعيفة التي باتت في البرد عارية على شجرة تهزها الرياح.. خرجت قبلك إلى الطبيعة لكي تلعب دورها المرسوم في الصورة الخضراء. هي ليست مستيقظة لكي تبحث عن حبة قمح أو دودة في أرض.. هي قبل أن تأخذ تعطي: تغني.. تبني عشاً.. تمنحنا مشهد الصباح كاملا: مهرجان من الألوان والأصوات والبهجة!

كم واحدا يتوقف ليتأمل عصفورا صغيرا مستيقظا بكل نشاطه في صباح مبكر؟ كم واحدا يتعلم من العصفور أن يمنح وأن يعمل وأن يسبق الجميع بخطوة؟ كم واحدا رأى في العصفور مقدمة لجمال ومتعة يبدأ بها يوم طويل من العمل والإرهاق؟

العصفور الصغير هو رمز للتفاصيل الصغيرة الكثيرة التي تمر في حياتنا أو تمر منها.. دون أن ننتبه لأهمية الاستفادة من وجودها في الصعود على خيوطها الناعمة الرفيعة إلى الأمل وإلى الأمان.

التفاصيل الصغيرة المصنوعة بإتقان حولنا.. والتفاصيل الصغيرة التي نصنعها.. هي في كل الأحوال تفاصيل تصنعنا.. أن تنفرط منك التفاصيل في زحام الحياة.. أنت تفرط في أغلى ما تملك.

لن تدرك قيمة التفاصيل الصغيرة التي معك إلا حين تبحث عنها فلا تجدها، ربما تشعر بعدم أهميتها. ما معنى أن السعادة يمكن أن تطل عليك مع شروق الشمس.. بينما هي تتسلل نحوك في صباح مبكر من زاوية لا تعلمها في النافذة. يقول حكيم صيني قديم: أعطني شمسا وموسيقى.. أعطيك حياة سعيدة. هذا حكيم وصل إلى الحقيقة في أقصر طريق لها.. فالشمس يفتقدها من لا تمنحهم السماء شمسا صافية طوال العام.. الشمس تعني اعتدال المزاج وتعني الخير وتعني الرزق وتعني الأمان وتعني الحياة في النور بكل ما يمنحنا النور من صحة نفسية جيدة. والموسيقى هي أرقى أنواع الإبداع الذي يصل إلى المشاعر بأسهل وأسرع الطرق.. ثم إنها نوع من الفن لا يحتاج أن تمارسه أو تتأمله أو تستمتع به في مكان محدد.. إنها معك في كل وقت وفي أي مكان.. حتى في غياب عزف الموسيقى يبقى صوت الموسيقى داخلك حيا متوهجا تستدعيه داخلك في أي لحظة.

راجع التفاصيل الصغيرة التي تحبها.. لا تنساها.. إنها شهد السعادة.. الخلاصة.

إننا ننجز وربما ننحاز للعناوين الكبيرة في حياتنا لكي نحققها وتصبح جزءا من إنجازاتنا.. لكن التفاصيل الصغيرة جدا هي الروح وهي المتعة وهي الاحتواء. فتش حولك عن الناس الذين استبدلوا تفاصيلهم الصغيرة على اعتبار أنها أشياء تافهة مضيعة للوقت وللطاقة.. بكل ما هو ضخم وكبير.

إن النبتة الصغيرة التي تشق طين الأرض في قوة رغم ضعفها.. تريد أن تثبت لنا روعة الأشياء الصغيرة، فهي تعيد بناء الحياة من بذرة كانت مغمورة في ظلام..

تعال نتأمل هذه الصورة ونشارك في صناعتها.. أصيص صغير وبذرة وماء وشمس وحافة نافذة.. وانتظار مبهج وترقب.. شاهد ما يحدث.. شارك فيما يحدث.. صعود بطيء بقوة لأصابع خضراء تبدو مثل دعاء إلى الله تشق طين الأصيص.. لماذا تحرم نفسك من سعادة الحصول على مشهد ميلاد شجرة قد تصبح في يوم من الأيام.. ظلا ومخبئا.

قليلون الآن يفعلون ذلك.. كما أقل هم من يتناولون فنجان قهوتهم على مهل، ويقرأون رواية على مهل، ويشاهدون فيلما على مهل، ويسمعون موسيقى على مهل..

الحياة أصبحت سريعة مرعبة كلنا نجري، وتبقى نصيحة ألا نترك أنفسنا للسرعة مهما كانت أعمارنا: كبار.. صغار، فكلنا في احتياج إلى استراحة نفتش فيها عن أسرار المتعة.

صغار.. كانت متعتنا في مذاكرة دروسنا أن نشخبط على هامش الكتب.. نرسم وردة أو شجرة أو شمسا أو قمرا.. نكتب معلومة صغيرة أو حكمة جميلة.. متعة أن تكون صورة على الهامش كثيرا ما تكون أجمل بكثير وأمتع من أن تكون عنوانا كبيرا في القصة أو الكتاب.

إيقاع الحياة السريع وشبابك لا يعني أن تضع التفاصيل الصغيرة المهمة تحت قدميك وتمضي.. أنت تخسر نفسك كلما اختصرت اهتمامك ووقتك على أن تكسب الحياة.

إنني مثلا قد أبيع موعدا مهما أو أؤجله أو أؤخره.. إذا وجدت نفسي ألعب مع طفل صغير بكل براءته وضحكه الصافي. قد أفعل نفس الشيء كثيرا في حالات أجد فيها أن بين يدي لحظات حلوة لا تعوض.

فعلا: اللحظات أو الأوقات الحلوة.. لا تعوض ولا تتكرر.. إنها مثل موج البحر لا يلمسك مرتين.

جرب أن تتأمل الحياة حولك.. أن تأخذ نفسك من زحامها وهمومها وهمومك وتجلس أمام بحر أو نهر أو شجرة أو من نافذة وتترك كل نفسك لهذه المناظر.. هذه هي مخارج الهروب إلى الأمان تماما مثل التي تضعها الفنادق الكبرى على أبواب غرفها.. الحياة كلها حرائق متتالية وتحتاج إلى منافذ للخروج الآمن في وقت سريع.. ثم العودة.

جرب أن تمارس أشياءك الصغيرة التي تعيدك إنسانا بسيطا صافيا خالصا محبا.. ولو كان الأمر: البقاء مع رواية وفنجان شاي وموسيقى ومقعد مريح.

سوف أقول لك تجربتي الخاصة: تفاصيل صغيرة ترفعني من صخب الأرض إلى رحابة السماء.. أصبح مثل عصفور خفيف في طقس دافئ أنظر لكل الازدحام من فوق: فنجان قهوة أصنعه بنفسي مع نقطتي حليب.. موسيقى عمر خيرت مع كتاب ما زال ملفوفا في ورق سوليفان.. أم كلثوم تغني في الراديو وجرس التليفون مغلق.. رائحة طعام في البيت بينما صوت أذان العصر بصوت النقشبندي في التليفزيون.. صوت صديق يتكلم معي من غربة يخبرني أنه في الطريق إلى العودة.. طفلي يحفظ حروفه الأولى وابنتي ترسم شجرة على ورق وتفاجئني بها.. ورق أبيض أكتب فوقه عنوان رواية جديدة..

وأنت.. السؤال وأنت.. ما هي التفاصيل الصغيرة التي تجعل نفسك متأرجحة بين السعادة والشجن والهدوء والأمان والحب والصمت..؟

ما أجمل التفاصيل الصغيرة التي تصبح هي الملح وهي السكر في حياتنا المليئة بالمرارة أحيانا واللون الباهت دائما.. أنت لن تستفيد من الشمس إلا إذا خرجت إليها.. الذين يكتفون برؤيتها من خلف زجاج غالبا لا يرونها ولا يقدرون وجودها أو اختفاءها.

أنت لن تكون أنت إلا بتلك البصمات التي تشبهك وتميزك وتنتشي بها وتنشلك من دوامة التكرار.. لا تفقد طعم الحياة الحقيقي طالما هو متاح.. فما أسهل أن تبحث في داخلك عن أسرار سعادتك الشخصية التي لا تعرف التكرار عن شخص آخر.. وقتها سوف تعرف أنك تملك كنزا لا تعرفه، وثروة لا تصرفها، وقيمة لا تتعامل بها مع الحياة.

وقتها سوف تعرف أنك مميز ومختلف ورائع.. وأن تعاستك هي تماما سر سعادتك.. وسوف تقول: الله الله الله كثيرا ومن القلب.. لأنك تعرف روعة التفاصيل الصغيرة التي منحها لنا الله.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك