فنجان قهوة بقلم: يسري الفخراني

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

يسري الفخراني 

مذكرات امرأة عن تسعة وتسعين رجلا!

قالت إنها لا تعرف لماذا؟ لماذا تحب الرجال كل هذا الحب؟ إنها تعشق الرجل بكل صوره وكل حالاته وكل أوضاعه الاجتماعية؟ تريد أن تجرب كل الرجال!

لا تفهموها غلط..

السيدة ميم.. طبيبة أسنان معروفة، مرموقة في مجتمعها. متوسطة العمر تقترب من عامها الخامس والأربعين.. بيضاء لأمها التي تنحدر من أحد سهول اسطنبول.. جادة مبهجة.. خفيفة مثل فراشة تلون أجنحتها بعناية من كل زهرة تقف عليها..

تجدها دائما على طاولة في مقهى تشرب قهوتها الصباحية بمزاج.. وأمامها ورق صغير ملون وقلم أزرق تكتب به مذكرات.. مذكراتها عن الرجل.

كل رجل يصادفها.. عيناها في عينيه.. تكتبه، تفسره. تحاول في أوراقها الصغيرة أن تحوله إلى شرح مفصل لمن يكون؟.. لا يهم أن تعرفه أو تتكلم معه.. هوايتها أن تكتشف عن بعد. هذا لم يمنعها من الزواج سبع مرات حتى الآن.. ولديها من كل رجل: طفل!

إنها صاحبة قصة غريبة فعلا على مجتمعنا. أو ربما قصة موجودة لكنها ليست منتشرة.. أو ليست متاحة في المجتمعات الأكثر ثراء أو الأكثر علما.

كنت أراها كثيرا مثل رجل عابر على مقاهي القاهرة لأكتب من فوق طاولاتها وعلى روائح قهوتها.. يستدرجني لرؤيتها أوراقها واحترافها الكتابة على ورق صغير. نفس المشهد.. تكراره يجعل له ذاكرة محفورة بصورة بطل المشهد.. حتى يحدث أن يتكون عندك فضول قوي لتعرف من تكون هذه المرأة التي تجيد فن الاختلاف.. في كل مرة أراها أجدها وقد تغيرت بسرعة مذهلة بتسريحة شعر أو تغيير لونه أو طريقة ارتداء ملابسها. لكنها تبقى بقهوتها وأوراقها الصغيرة متاحة في الذاكرة.

من ؟ لا أعرفها.. متجولة على مقاهي وسط البلد والمعادي والطريق الصحراوي.. منحتها اسما حركيا مرة لكي أحكي قصتها لصديق: منال!.. ثم رويت عنها قصة مؤلفة من سبع دقائق حكيت فيها أنها جاسوسة تلتقط من المقاهي غايتها!

وفى يوم كان مطر سميك يدق نوافذ مقهى ضيق.. وجدتها على مائدتي.

صحبة المقاهي العابرة.. تتحول في أحيان كثيرة إلى لقاء دائم، يحدث ذلك معي في أوقات مختلفة مع وجوه متعددة.. يتكرر جوارنا في مقهى ثم بحكم التكرار نبتسم لبعضنا ثم نسلم ثم نتعارف ثم نسير أصدقاء مقهى.

قالت وهي تبتسم: من زمان نفسي أتعرف عليك.. لكن خجلي يمنعني!

وأقول وقد ابتلعت المفاجأة: أنا؟… وأنا أيضا كنت أتمنى أن أعرف من تكون صاحبة الأوراق الصغيرة والقلم الأزرق!

تقول في ضحك يليق بصديقين: أنا الدكتورة ميم، لا أنا منال.. ولا أنا جاسوسة!

وأبتلع المفاجأة للمرة الثانية مدافعا عن فكرتي القديمة: من هو الشخص المشترك بيننا الذي ضحى بي وفضح قصتي المتخيلة عنك.

قالت بسرعة وإصرار: مش مهم. المهم أننا الآن على مائدة واحدة. أنا طبيبة أسنان.. وأحب الكتابة.. لا أحب لقب أديبة فهو لقب يضعني في برواز أنيق على حائط.. وأنا كما ترى أحب الحياة.. لي في كل مقهى طاولة وفنجان.. وأحب بالمناسبة اكتشاف الرجال.. لا تخف أنا لست مفترسة.. ولا أنا مقتحمة.. أنا ضوء تحوم حوله الفراشات وبعضها يحترق !

قلت أخفف توتري: لا أنا فراشة ولا أنا ضوء.. ولا أنا اكتشافك.

قالت بثقة امرأة على حافة الحب الدائم: لا يهمني اكتشافك.. يهمني أن تعرفني.. أنا امرأة قوتها في ضعفها.. وضعفها في قوتها.. قصتي تتلخص أنني أبحث عن الرجل الذي أضع ما تبقى لي من عمر في كفيه وأنام دون قلق ودون خوف.. أنا أبحث عن رجل أمان.. لا يطعني في قلبي ولا يسخر من مشاعري السخية حين أمنحها له.. ولا يفهمني غلط!

أنا..

وكان المطر خلفنا تماما يعزف على زجاج النافذة بينما في عمق المقهى دخان وموسيقى تنساب في حذر، كأنها قط يتمسح في قدمي صاحبه.. وتحكي: أنا.. طبيبة ، ورغم ما في الطب من دماء دائما وألم متدفق.. فإنني أحببت هذه المهنة.. فأنا أرى الناس في ضعفهم بكل حقيقتهم.. ليس بينهم وبين الكذب أي صلة.. يصرخون ويبكون ويتعذبون ويكشفون كل ما فيهم من خوف وضعف.. أحب مهنتي كما أحب الورق والقلم. أشعر بين الطريقين أنني أنا النقطة الصغيرة التي تحمل عناوين البشر.

أعيش بين الناس لكنني دائما وحيدة.. أراهم دون أن يراني أحد بوضوح.. دائما يفسرون أسلوبي في الحياة وفي تفكيري وفي طريقتي وفي علاقاتي بالناس خطأ.. الناس أشبه بطبيب يفسر المرض على قدر مستواه لا على قدر الحقيقة.

كل هذه الأسباب جعلتني أبحث عن رجل.. رجل واحد يفهمنى يحميني يدخلني يمتعني.. يأخذني من مسرح العرائس إلى الدنيا بكل ما فيها من سخونة وأحداث ومشاكل وروعة.

لذلك: تزوجت سبع مرات.. وفي كل مرة أنجبت طفلا أو طفلة.. هل تصدق أن التي تجلس أمامك تزوجت سبعة رجال بحثا عن رجل.. وأنجبت سبعة مرات بحثا عن أب حقيقي؟

هل من حقي أن أعرف.. لأختار. أم أن كل دوري فى الحياة أن أرضى مهما كان السخط داخلي والهموم والرفض. أنا اخترت المواجهة.. الانفصال والعودة إلى نقطة الصفر بحثا عن تحقيق الحلم السري.

في البدء كنت أواجه تيار غضب من أهلي وبعض حماس من أصحابي ونظرة شفقة من المجتمع.. ثم انحدر الأمر إلى قرف. لماذا يسخر الناس من حلمي السري برجل لا يشبه أي رجل. أنا حرة… لماذا يعاقبني المجتمع على اختياراتي أنا؟.. إنها أنا.. أنا التي أدفع ثمنها وحدي. حتى أولادي حين أصبح الكبير في العشرين من عمره.. أصبح ينظر لي في قرف.. وتصور أنه يهددني بالقتل!

لكنى أصر على أن أستمر بحثا عن حلمي السري.. وحلمي هو رجل رسمته في كراستي وأنا صغيرة !

مؤكد أنك تريد أن تسألني: هل هناك رجل كامل الأوصاف؟ هل لم أجد صفة واحدة أتعلق بها في رجل تزوجته؟ هل لم أستمتع بنفسي وجسدي مع أحدهم إلى درجة القبول بنصف الحلم.. حدث كثيرا أن فكرت بنفس المنطق.. أن أكون زوجة رجل يحتويني.. وأظل أعذبه لكن أبقى معه.. لكن هذه الفكرة لم تخطر لي إلا بعد الرجل الثالث.. كان العقد قد انفرط.. والفكرة قد تحولت إلى لا شيء.. لماذا لا أجرب الرجل الرابع والخامس والسادس؟… وجربت.. ويبدو أننا في البحث عن شيء ننسى بعد وقت قليل عن ماذا كنا نبحث.. ونظل نمارس لذة البحث والاكتشاف والتجربة.

تركت مرحلة البحث، على ما أظن، إلى مرحلة المتعة.. الهروب متعة.. وفكرة أن ترتبط وفي داخلك يقين أنك لن تطيل ارتباطك أصبحت تمنحني نفس مشاعر الإقامة في فندق.. ممتعة في أولها محزنة إذا طالت.. وهي في كل الأحوال غرفة يمكنني أن أبدلها أو أغادرها وقتما أشاء.. ملمس يتبدل أو بحر لا أسبح فيه مرتين..

هل أقول لك أن بقدر ما ابتعد عني الأصدقاء.. اقترب مني الغرباء.. إنني صورتهم الحرة.. التي أطير دون أن أعود إلى نفس العش كل غروب.. يحسدني الناس ويكرهونني في الوقت نفسه.. وبينما يراني البعض منحلة يراني البعض جريئة واثقة في نفسي وفي أنوثتي.. المرأة تتصور أنها تصطاد رجلا وحين يقع في فخها تتصوره فريسة العمر.. تخبئه عن صديقاتها خوفا من الحسد ومحاولة الاختطاف.. في البدء يكون الرجل أسيرها ثم دون أن تشعر تصبح هي أسيرته.. إنها تتخيل لو فقدته لن يقبل بها أحد غيره.. هو الحياة والموت.. أما أنا فلا.. الرجل تجربة تستحق أن نمنحها بعض الوقت فإن اثبت جدارته أستمر.. وإن لم… انسحق أو انسحب. لماذا أمضي العمر مع رجل لا أحبه مع نفس ليس هو مشتهاي.. مع إيقاع لا يمنحني انسجاما ورونقا ولمعانا.. مع علاقة منتهاها ألم.. وضلوع مرهقة تلفظني آخر الليل كأنني وسادة محشوة بالخوف والقلق

أليس العمر واحدا..؟

أليس من حقي أن أمضيه عازفة..لا معزوفة؟

أنا أعشق عمري.. كما أعشق نفسي.. كما أعشق الحياة.. كما أعشق جسدي.. كما أعشق أن ألمس النشوة وأعود فألمسها بعينين ذابلتين من المتعة..

أليس الرجل خلق لكي يمتع المرأة.. برجولته بماله بأخلاقه بقوته بيديه الصلبتين بصدقه بكيانه برغباته..؟.. الرجل الذي أبحث عنه لا يقبل القسمة.. لا يأخذ شيئا ويترك شيئا.. لا يمارس شيئا ويخبو في شيء.. رجل ليس كيس برتقال أو بطيخة.. ليس جريدة وبيجامة مخططة.. ليس منكوشا ومتهدلا بكرش خامل.

هل بدأت تخاف مني؟ تكرهني؟ تكشف على قواي العقلية؟

مهما كان رأيك في المرأة التي تجلس أمامك.. لا يهمني. كل ما أريده منك أن تكتب لي مقدمة كتابي الذي ألفته عن تسعة وتسعين رجلا عرفتهم.. وسبعة تزوجتهم.. قلت فيهم كل الحقيقة المذهلة.. هل تقبل أن تكون كاتب مقدمتي؟ أرجوك أن تقبل.. فمهما كان رفضك لي وطريقتي في الحياة وفي حلمي السري.. أثق أنك سوف تجد لي ولو سببا واحدا لكل ما أنا فيه.. سببا مقنعا يحولني من امرأة تبدو منحرفة محترقة.. إلى امرأة طيبة مسكونة بأمنية مستحيلة.

اخترنا لك