فنجان قهوة – تعلم الكسل وعش سعيدا بقلم يسري الفخراني

أم كلثوم كانت تغني وأكتب هذا المقال، فستان بسيط وصوت صاف ينساب كنهر بين ملايين من أشجار المانجو الحلوة قبل أن تصل لنا، تغني بسلطنة ومزاج فتنقل كاميرا التليفزيون الأبيض وأسود جمهور منفعل بكل كلمة وكل حرف وكل آهة تطلقها “ثومة”، نساء ورجال في ثياب سهرة راقية، يعيشون حالة من الانسجام العميق، مرة أولى: أترك المقال وأسرح مع صوتها وصورتها وصورتهم، أتخيل نفسي مندسا بينهم في صف يتوسط الحضور، بزة وكرافت وبجواري سيدة ترتدي معطف “فرير” شتويا تفوح منها رائحة زهور جميلة، وأصفق وأقف وأجلس وأختبئ من نفسي في هذه المتعة، هل هي متعة أم كلثوم، أم إنها متعة الزمن، متعة الفن أم متعة الروح والحياة والعشق والأمل وبساطة الأيام وهدوئها المريح؟! أعود فأكتب كلمتين: أحسد كل الجالسين بجواري رجل وامرأة، فهذا مزاج أتمناه دون أن أملك قدرة أن أعود إليه، زمن محب للحياة، عنده آمال لا حدود لها.

أنا أحب أم كلثوم، هل لهذا السبب تسللت على أطراف عمري لأجلس بين حضور حفلتها وزمنها، لكنني أيضا أحب عبدالحليم حافظ، وسعاد حسني، وفاتن حمامة، وبليغ حمدي، ووردة، وعمر الشريف، وأحمد رمزي، وإسماعيل ياسين، والنابلسي، والقصري، والدقن، وستيفان روستي، وماري منيب، ما هذا الزمن الذي مضى بكل ما فيه.

مرة ثانية: أترك المقال وأفكر في مزاجنا الذي خفت، وآمالنا التي تلاشت، الحال لم تعد هي الحال على كل حال، من هو أخر صديق قال لي إنه “عال ومبسوط وكويس وحاله فل ومزاجه عنب”، حاولت أن أتذكر.. فلم أتذكر، مزاجنا احترق، منذ فترة بعيدة.. أصبح المزاج مثل الرزق: يوم بيوم، أو للدقة: لحظة بلحظة، على باب الله، نفرح على ما تفرج، نضحك على ما قسم، ننام ليلة سعيدة على قد لحافنا، زمن كان.. والأصل أن يكون زمن معنا، نعيشه فهذه حياتنا ويجب أن نعيشها بمزاج رائق ودافئ، تغني أم كلثوم.. وحنين إلي كل ما كان معها من زمن وصوت وكلمات وإبداع وبشر وكراسي وعيون تشبه البحر في أغسطس هادئ ومغر وشديد الوضوح، نفتقد هذا الإحساس بالحياة، بمتعة الحياة، الاستمتاع بالحياة، نعيش في الغلاف الملون للكتاب دون أن ندخل إلى تفاصيل القصة بكل عذوبتها ومتعتها، فهذا سر عذابنا، نستهلك العمر في قلق مبالغ فيه، ووجع في القلب لا نعرف له سرا أو علاجا، استهلاك سريع ومفزع لكل ما نملك وما لا نملك، عصر الفيزا كارت، حيث الديون تطاردك أينما كنت، وقت الأقساط المريحة التي تسرق الراحة، زمن المقاهي المفتوحة أربع وعشرون ساعة بدخانها وجلجلات الضحك المتواصل دون نكهة، زمن المولات بطوابقها العشرة التي تعصرك وتمتص متعتك وجيوبك، ما المتعة في أن نترك الشمس والهواء ونقضي نهاية الأسبوع في أنبوب زجاج مكيف، كل خطوة فيه عرض مغرٍ، وكل مساحة بضائع راكدة تطلب مشتريا، أين الشوارع بضيقها واتساعها وانخفاضها وارتفاعها وفاترينات وموائد وعربات خشب صغيرة تبيع مثلجات تشبه حواديت طفولتنا، أين أم كلثوم من كل هذا؟ لماذا ودعنا أم كلثوم ولم نطلب نسخا منها، روحها ورائحة إبداعها وزمنها لكي نستمتع بالحياة، إن الحياة التي تخلو من المشي على مهل بجوار سور طويل ممتد إلى ما لا نهاية ليست حياة، لكننا نعيشها بسرعة كأننا نريد أن نتخلص منها لا أن نبقى فيها أو نبقي عليها.

أم كلثوم، لا تغني، لا تغني فقط، إنها تمنحنا طاقة مذهلة على السعادة وعلى الحب وعلى الحياة، هناك شرط بسيط سأقوله لك: أن تكون على نفس موجة أم كلثوم وأنت تستمع لها، أم كلثوم لا تكتفي بالاستماع لصوتها، يجب أن تراقبها وهي تغني، وهي تستخرج الكلمة من أعماقها والآهة تقتطفها من روحها، وهي تلوح بيدها ومنديلها، هناك طاقة تخفيها وتهديها، الموسيقى الجميلة في حد ذاتها طاقة تغير مزاج من يستمع لها في أدب، فالموسيقى هي أدب الإنصات وهي أدب مكتوب على نوتة موسيقية، وأداء المطرب جزء من الموسيقى، من العزف، آلة تضيف للأغنية معاني، وأم كلثوم منتهى الأدب، منتهى الذوق، منتهى الاحترام، منتهى.. المنتهى في الإبداع يمنح شعورا بالتألق، وقد كانت. راقبها وهي تبدع، امرأة فارسة قوية بضعف، تمنح العبارات التي كتبها الشاعر رونقا، غطاء من الذهب الخالص، مخلصة أم كلثوم إذا غنت، إنها تحب نفسها وهي في هذه الحالة الحلوة، وهذه بداية النجاح، أن تحب نفسك وأنت تفعل شيءا جميلا، تشعر أنك تقدم للآخريين عملا يسعدهم وتفتخر به، الثقة وكانت أم كلثوم منتهى الثقة، فهي قد خرجت للناس بعد أن تدربت جيدا علي ما ستقوله وما ستفعله وما ستكون عليه، وهي تطبق أهم نظرية وأسهلها وأكثرها ضمانا في النجاح: التدريب والدراسة، تدرب أكثر وأعرف أكثر لتصبح أكثر ثقة أمام الناس.

تسمع أم كلثوم في الليل في الروقان في هدوء ما بعد عواصف يوم من العمر، وهي تشبه ظل شجرة، كلما مضيت في الطريق إلى الأمام، احتجت إلى أن تختبئ فيها أو تختبئ معها أو تختبئ عندها، إنها لا تعيدك إلى الماضي، إنما إلى المستقبل، تتمنى لو أنك صنعت مستقبلا بهذه الروعة بهذه البساطة بهذا الجمال والأناقة، أفكر دائما لماذا لا نكون مثل من كانوا؟

أغلق تليفونك، شاشة الكمبيوتر، التليفزيون، ماكينة الأسبريسو، هناك أمل أن تجد نفسك حرا، لا أنت مشدود إلى حائط الحياة بفيشة وكهرباء ووصلة، ولا أنت أسير في انتظار رسالة أو مكالمة أو نشرة أخبار أو مسلسل أو فنجان قهوة سريع. إنني أفعلها كثيرا، أصنع مستقبلا على طريقة الماضي، لن أستطيع أن أعود لكنني أملك أن أصنع ما يشبه.

إن أم كلثوم يمكنها أن توحي لك بأشياء كثيرة، زمنها المفقود، موضتها البسيطة، الرجال والنساء في صفوفها بصمتهم وهزات رؤوسهم، نحتاج من أم كلثوم تفاصيلها الصغيرة لكي نبعث في حياتنا السريعة الصعبة شيئا من الإيقاع الهادئ، بعضا من الوقوف المتكرر في أوقات مختلفة لكي نعود من حظائر الثيران الهائجة إلى مربع التأمل والاستمتاع، نحتاج إلى أن نتمهل، التمهل متعة، كما الكسل متعة، كما البساطة متعة، كل الأشياء حولنا تضغط علينا بقوة حتى نعلن الاستسلام، عمليات الشراء، الهوس، الخوف من عدم قدرتنا على شراء أشياء تافهة لو علمت أم كلثوم أننا قد نبيع أعمارنا لنشتريها، أو نستبدلها بجزء من صحتنا، لضحكت ضحكتها الساخرة الشهيرة ثم ماتت من الصدمة!

فكر: كم مرة منحت بعض عمرك من أجل جهاز أي باد، سيارة، جهاز تليفون، ولاعة، بيت؟ كم مرة انتحرت من أجل أشياء تملك أن تعيش عمرا إضافيا بدونها؟

بداية الستينيات كانت فاتورة البيت خالية من أرقام: فاتورة الموبايل. قسط السيارة. المدرسة المستوردة. الكاتشب. قرض البيت. لعب الأطفال البلاستيك. وهكذا. وكانت الحياة دافئة مستقرة دون طلاق كل ثلاث دقائق أو خلاف كل ثلاث ثوانٍ!

اليوم لن تستطيع أن تنقي فواتيرك من هذه الأرقام، الزمن تغير، وأنت تدفع ثمن زمن تعيشه، لا تستطيع أن تخرج منه حيا إلى زمن آخر، لكنك على الأقل قادر على أن تختصر ما تغرق فيه، تحاصره، تستمتع أنك أقوى وأخف وأجمل وأنت تقاوم كل هذه الإعلانات التي تدفعك لتسرق ولو عمرك من أجل إضافة أشياء تافهة إلى عمرك.

سأقول لك حكمة صينية أحبها.. تقول: إن صاحب الحقيبة الخفيفة هو الذي يستمتع أكثر بالسفر، والمعنى أن كلما كانت حقيبتك في الحياة لا تحمل الكثير من الأشياء التي لا لزوم لها، ولديك القليل الممتع المهم، استمتعت أكثر بما معك وبحياتك وبنفسك، وكانت لديك القدرة على أن تغير وتبدل وتجدد حياتك في الوقت الذي تريده تماما.

وأول درس نتعلمه حين نقرر أن نقف على قدمينا بعد نكسة أو إحباط هو: ألقِ كل الأعباء الثقيلة والحمولة الزائدة من سفينتك. لتصل إلى الشاطئ الذي تريده في وقت أقل وبمتعة أكبر.

وكراكيب البيت، مهما كانت ثمينة، هي تفقدك القدرة على الاستمتاع بأشياء مهمة تملكها بالفعل، لكنها تائهة بين كل ما ليس له دور في حياتك.

تمهل، ولا تحرق بعض عمرك لتمنح العمر لآخرين لكي يعيشوا. اسمع أم كلثوم وستضع لي علي بابي وردة ولي عندك دعاء بالسعادة أيضا لا تنساه.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك