فنجان قهوة يسرى الفخرانى

يسري الفخراني

غرام وانتقام!

حين يحب الرجل يتحول إلى طفل مستعد أن يدفع عمره من أجل بالونة ملونة

غريبة أن يكون نفس الباب الذي نغلقه للأمان هو نفسه الذي نفتحه لنستطيع أن نعيش حتى لا نختنق

ماذا كنت تريدين يا أمي حين رفضت من أحب.. وقبلت من تحبين، ووضعت عمري بين ألم وخوف!.. هل من حقي اليوم أن أدفن مع رائحتك الأخيرة.. هذه المأساة التي أعيشها؟ أم أن الوقت قد مضى بما فيه الكفاية لكي أصبح في أمر واقع لا يتغير؟

لماذا أمي؟ أبكي على رحيلك.. أقبلك القبلة الأخيرة التي ما بعدها لقاء.. أضمك وأمسح بيدي جبهتك التي تبدو كما لو أنك في قيلولة بعد الظهر، وأود لو أسمع منك قبل الوداع إجابة منطقية، لماذا رفضت عادل ولماذا قبلت حسام، هل لأنني أحب عادل.. أم لأنك قلت لي تزوجي من يحبك.. لا من تحبينه؟ لا أصدق أن هذا كان قصدك تماما.. أو ربما أبدا.. كنت دائما محبة للحياة وتجدين أن الحياة لا تصبح جميلة إلا بالفلوس فقط.. الفلوس هي التي توفر متعة الحياة.. الثروة هي كل سعادة الحياة.. المال الذي ينفق ويدخر ويكبر ويتحول إلى ذهب وألماس هو وحده عندك كان سر الضحك والأمان والفرحة. كنت أكبر عدو للحب.. أكبر مقاوم لفكرة أن الحب يمكن أن يصنع بيتا يعيش وينضج.. كان رأيك أن المرأة يجب ألا تحب.. وإن كان مسموحا أن يحبها رجل أبله ساذج عبيط غبي يصرف عليها كل ما يملك.. المال عندك هو كل شيء.. قبل حتى قدرة الإنسان على أن ينام مرتاح الضمير.

لماذا إذن تزوجت أبي عن حب. عن قصة حب. هل كان هذا الحب سببا في كراهية الحب بعد ذلك؟ هل كانت قصتك مع أبي الطيب درسا في فن قتل الحب في ساعاته الأولى؟ أبي الطيب الذي ظل محبا عاشقا ولهانا حتى رحيلك.. لا يريد أن يغضبك أو يجرحك ولو بكلمة.. ليس ضعفا منه.. أبي الجنرال الذي يرعب كتيبة هو رجل قوي له هيبة عظيمة.. لكنه كان يحبك وكنت على ما أظن نقطة ضعفه ومصدر قوته أيضا.

غريبة أن يكون نفس الباب الذي نغلقه للأمان هو نفسه الذي نفتحه لنستطيع أن نعيش حتى لا نختنق.

كان أبي.. لا يقدر على بعدك ولا أن يعيش بالقرب منك وقتا أطول.. قال لي مرة وهو يودعني إلى عمله الذي يغيب فيه كل أيام الأسبوع قبل أن يأتي في نهايته: لو عشت مع أمك وقتا أطول.. كان أحدنا سوف يقتل الآخر؟

لماذا كنت متسلطة هكذا.. كأن الكون كله خلق لأمرك أنت؟

جاء عادل من الباب يطلب يدي.. يسبقه حبي ومباركة قلبي وموافقة أبي، فأغلقت الباب بإحكام بعد خروجه وقلت لي في هذا اليوم: حسام يحبك.. والرجل حين يحب يتحول إلى طفل مستعد أن يدفع عمره من أجل بالونة ملونة؟ عائلة غنية تركت له مئات الأفدنة وملايين الجنيهات.. أكبر منك بعشر سنين.. ما المشكلة؟ مربع الوجه والجسد.. هل هذا يعيب رجلا لن تري من جسده إلا الجانب الذي يتحول فيه إلى ماكينة صرف آلي؟

مشكلة تقليدية روتينية رأيتها في عشرين فيلما.. لكن لم أتوقع مرة أن أكون أحد أبطالها. أريد أن أتزوج عادل بكل طيبته وحضوره.. فتزوجني أمي بحسام بكل ثقل ظله وترهله؟

كانت ساحرة في الإقناع أو التهديد أو مسح المخ أو ـ وهذا هو الغالب ـ في إخفاء الأعمال التي تشتريها للسحر في أماكن ارتيادي لها. كانت ترى أنها احتفظت بأبي ـ زوجهاـ  خمسة وعشرين عاما بالسحر. كانت ترى أنها ناصحة في اختيار كل ساحر موهوب.. وكل ساحر له قدرة على شيء ما.. تذهب وتناقش وتفاصل وتغضب وتأخذ حقها من عين من يضحك عليها.. ولا أعرف أي ساحر فيهم نجح في أن يقنعني بأعماله السحرية أن أترك عادل وآخذ حسام؟

سؤال مازال صداه بداخلي بعد عشر سنوات زواج، لماذا فعلت بي ما فعلت، لا أشك في حبك لي.. ولا طبعا حبي لك، لكن لماذا أقسمت أن تقتلي الحب بداخلي في وقت كان يمكن أن يحول الحب حياتي إلى جنة.. لماذا غيرت مسار تفاصيلي الصغيرة وجعلت كل همي أن أتحول إلى لصة أسرق كل ما تطوله يدي من زوجي؟

أنا لصة محترفة!

كنت يا أمي تفرحين ورصيدي يتضاعف في البنوك، والألماس يزداد في أصابعي وحول معصمي، لا تحصلين على جنيه واحد مني، لا تريدين شيئا من نصيبك في زواجي، كثيرا عرضت عليك نصيبك، كثيرا اشتريت لك شيئا من قيمة ممتلكاتك، ولا مرة قبلت، حتى الهدايا كنت تترددين ألف مرة قبل قبولها، هل كان منطقك أن ترضي ضميرك نحوي فتتركي لي كل غنيمة زواجي، لم أحب حسام قبل الزواج.. ولم أستطع أن أحبه ليلة واحدة بعد الزواج، كان الزواج به ألما فظيعا أشعر به قبل كل لقاء بيننا، لذلك كنت ألفظ أي محاولة ليترك داخلي كائنا حيا يصبح طفلي وأملي، في بعض الأوقات كنت أتمنى أن  أحظى بأمل الأمومة، لكن ليست بالأمنيات وحدها نتحمل أو نتحول، أصبحت لقاءاتنا الزوجية باردة.. تجرح كل مسامي وتغلق كل نوافذ الإحساس، ومع كراهيتي أو رغم كراهيتي.. لم أفكر أبدا في خيانة زوجي، السر لم يكن فضيلتي.. إنما كراهيتي لفكرة الحب والمشاعر ونظرات الرجل، أي رجل، كما.. مراجعة أرصدتي في البنوك تكفيني.

هل مازلت مسحورة، أمشي على السطور التي رسمتها لي، هل برحيلك.. ينتهي السحر، ينفك، يذوب، أعود وأستيقظ وأصرخ وأرفض وأعود بحثا عن عادل، مازلت أحب عادل، على الأقل مازال كما كل ممنوع.. مرغوب في قلبي، ربما زاد حبي له، ربما زاد حبه لي، لا أعرف أين هو، سوى أنني وصلت إلى أخباره من صفحته على الفيس بوك، دخلت إلى قائمة أصدقائه باسم مستعار، أراقبه وأعد عليه أنفاسه، ماذا يتكلم؟ مع من يتكلم؟ من معه؟ من يقترب ومن يبتعد، أشعر أحيانا أنه يعرفني، وأشم في سطوره التي يكتبها كثيرا رائحة اسمي أو حروفه الأولى، ربما مازال يحبني، يتذكرني، ربما يحب امرأة تشبهني، ربما يقتلني بجنون، ربما يخنقني بدموعي، ربما يذكرني أنني ساقطة في نظره يوم تخليت بكل سهولة عن قصتي معه.

في غيابك أشعر مرة أخرى بالحرية، أشعر أيضا بالضياع، فكيف أقاوم ضعفي وأفك قيدي، فقد اعتدت الضعف وأدمنت القيد الذي جعلني مهزومة ومهزوزة، هل يمكن أن أذهب من مراسم رحيلك إلى بيتي مرة أخرى؟. لماذا أذهب من جديد إلى سجني وقد رحل القاضي الذي حكم علي بالسجن مدى الحياة، حياته.. لا حياتي أنا، لماذا لا أذهب الآن وأطلب الطلاق؟ ولماذا ـ أيضا ـ لا أذهب الآن إلى حسام وأطلب أن يصفح عني؟ أقول له إنني على مدى الزواج كنت أكرهه، كنت أرفضه، كنت أشعر بروحي مهملة بين روحه، وأنني لأسباب نفسية عميقة رفضت الاستمتاع بزواجنا وقبول جنين في بطني منه.

لكنني ، تصوري يا أمي التي أحبها الآن أكثر من أي وقت مضى، وأشتاق إليها كما اشتياق القمر للسماء والبحر للشاطئ الرملي عند الفجر.. تصوري تصوري، سوف أذهب إلى حسام ليس فقط لكي أعترف أمامه بكل شيء.. كل أخطائي في حقه.. لكن لأقول له سامحني . شيء داخلي اكتشفت أنه يحبك، يحبك جدا، يحبك ويشتاق إلى ملمس كل شيء منك، سرقتك.. ليس مالك فقط ، إنما عمرك، إنما أنا مستعدة تماما لكي أعوض لك كل ماسرقته منك. هل تسامحني؟

خطر في بالي أن أستشيرك في مشاعري وفكرتي وحنيني.. وتذكرت رحيلك.. ذهبت إلى قبرك وتكلمت معك بصوت عال ودموع.. كنت أغسل نفسي من أشياء كثيرة عالقة العمر كله.. منذ وعيت على الحياة حتى وعيت على رحيلك…

وعندما عدت إلى بيتي.. كنت مستعدة لكي أبدأ صفحة جديدة تماما مع زوجي.. ليس فقط صفحة جديدة إنما إحساس جديد.. أن أعوضه كل سنوات الحرمان التي ضاعت.. وأن أعوض نفسي.. فقد كان جسدي في اشتياق.. وكنت مستعدة تماما للأمومة.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك