فنجان قهوة يسري الفخراني

يسري الفخراني

مشاكل “حلال المشاكل”!

أحب قصص الناس، الحقيقة أنا أحب الناس، أحب حكايتهم حين تأتي من بعيد مثل استغاثة لمجهول لعله يأتي وينقذهم، كم عاما وأنا أستمع لتلك القصص دون أن أعرف في أوقات كثيرة صور أصحابها وأسمائهم الحقيقية؟

تأتي القصص رسالة مكتوبة  يحملها ساعي بريد، أو في بريد إلكتروني يدق علي شاشة الكمبيوتر لحظة الاستلام،

عشرون عاما، أنتظر رسائل من مجهول كأنها من حبيب غائب.

هل هذه مهمتي؟ هل خلقني الله لكي أستمع لغيري، لقصص عاشها الآخرون، كأنني أرغب في أن أعيش في حياة من لا أعرفهم بمتعة أحيانا وعذابا دائما وغالبا.

في خطواتي الأولى في جريدة الأهرام بعد منتصف الثمانينات بقليل، رأيت في بهو المؤسسة العريقة أجولة قماش صفراء كثيرة كتب عليها بريد الأهرام، سألت بفضولي في هذه البدايات: ما معنى هذا؟ قال لي حارس الأمن: إنها رسائل بريد الأستاذ عبد الوهاب مطاوع!

ما أجمل أن يجد الكاتب مئات أو آلاف القراء الذين لا يعرفهم يكتبون قصصهم ويضعونها في مظروف ويرسلونها أمانة لكي يقرأها ويحتفظ بها ويكتب لهم نصائح لمواجهة الحياة الصعبة.

المرة الوحيدة التي حسدت فيها كاتبا، كان للأستاذ

عبد الوهاب مطاوع، كان مكتبه في الدور الرابع، نقرت الباب بأصابعي ودخلت إلى حيث يجلس وسط أكوام الرسائل، وقلت له بكل حب: أنا أحسدك يا أستاذ. ضحك عبد الوهاب مطاوع ودعاني للجلوس على مقعد جلد يحتل نصفه رسائل مفتوحة وهو يقول: لا تحسدني.. تفضل واحمل معي المهمة الصعبة.

لم أعرف أن المهمة صعبة فعلا إلا بعد أن تلقيت أول رسالة تحمل قصة إنسان، إنه لا يكتم السر عندي فقط.. إنما يحملني مسؤولية عمره، مسؤولية قصته، مسؤولية خطواته التالية في الحياة.

كان الأستاذ عبد الوهاب مطاوع ومازال هو الأب الروحي لفكرة هذا البريد الإنساني الذي يلتقط حياة الناس وقصصهم ومعاناتهم. سبقه آخرون.. لكنه سبق الجميع بردوده الوافية الدافئة التي يعتمد فيها على خبرته وعلى خبرات العظماء في الحياة. والغريب أنه انتقل إلى مسؤولية بريد الأهرام على سبيل العقاب وليس على سبيل المكافأة. وضعوه هناك لأنه لم يكن هناك محرر يقبل مهمة فرز وقراءة وصياغة بريد القراء. ووجد نفسه فجأة محررا لباب البريد، حيث الرسائل خليط من مشاكل ومقالات للرأي واحتياجات، وجلس المحرر الهادئ يفرز مساهمات القراء فوجد منها ما يستحق بابا أسبوعيا لقصص القراء فقط، بدأه على استحياء.. حتى أصبح هو الباب الأكثر شهرة في العالم العربي.

توطدت علاقتي بأشهر حلال مشاكل في العالم العربي، وعرفت عن قرب مشاكل حلال المشاكل، فهو على رغم هدوئه الصارم، كان بداخله عاصفة من الغضب والألم، فهو يكتم كما هائلا من مشاكله خوفا من أن يقول أحد أن الرجل الذي يحل مشاكل الناس لا يعرف كيف يحل مشاكله، الرجل صامت أغلب الوقت، له ضحكة ليس لها ملامح الفرح المعتادة، لم أضبطه مرة يضحك هذه الضحكة التي تهتز لها جدران تجمعنا، يدخن في شراهة من يأمل أن تذوب المشاكل في دخان سجائره، يبدو صمته الكثير غرورا، وهو لم يكن كذلك، جاء وقت يحسدني فيه، مرة كنت أقدم له للنشر حوارا مع ليلى علوي، فقال مبتسما وهو يشعل سيجارته: أظن أن جاء دوري لكي أحسدك، أنا أجلس بين هذه الجدران الأربعة والدخان والكتب الضخمة ومشاكل الناس أسهر على حلها.. بينما أنت تائه في المسارح تشاهد الروايات الجميلة وتجلس مع أجمل فتيات الشاشة وتصادقهن، تحب نبدل المواقع؟

وضحكنا..

لكن الوقت جاء فعلا.. واستبدلت سهر الليالي في مسارح القاهرة والجلوس إلى يسرا وليلى علوي وعادل إمام وأحمد زكي وشيريهان، بالكتابة عن قصص الناس، الفرق أنني احتفظت بذكريات كثيرة وصداقات عميقة وأنا أنتقل إلى موقع آخر في الحياة.

رحل الأستاذ عبد الوهاب مطاوع فجأة مثل قصة لم تكتمل، الغريب أنه كان يخفي مرضه عن أقرب الناس إليه، وربما لو أنه كتبه في رسالة أو قاله لصديق لكان المرض أخف على جسده الضعيف، لكنه كتم الألم ببراعة، وكنت أراه في ممرات الأهرام يفقد وزنه بسرعة، وكان طبيعيا أن أسأله، وكان غريبا ألا يبوح، كأنه رفض أن يكون حلال المشاكل.. مشكلة!

انتقلت مشاكل الناس إلى وجه عبد الوهاب مطاوع.. فلم يعد ممكنا أن تراه مبتسما بكل هذا الصفاء، وأنا أعتقد أن مشاكل الناس وعنفها مع الليل الطويل الذي كان يسهره حتى الصباح ودخان السجائر التي يتخفى خلفها كانت السبب في قتله، يوم عرفت خبر وفاته.. كتبت في الأهرام مقالا أنعي فيه شهيد مشاكل الناس وأزماتهم.

ومازال عبد الوهاب مطاوع في ذاكرة الناس، أفضل وأمهر وأروع من كتب حياة الناس، كان بارعا إلى درجة أنه ظلم كل من جرب أو حاول بعده أن يمد يديه وعقله إلى مشاكل الناس، وهو صاحب العبارة الموحية التي تقول: إن أصدق رواية يمكن أن تحصل على جائزة نوبل في الأدب.. هي من يكتبها صاحبها بصدق ونبل!

لكن المدهش فعلا أن الأهرام التي منحها على الأقل أربعين عاما من عمره، ومنحها شهرتها في عدد يوم الجمعة الذي مازال يطلق عليه أهرام الجمعة بسبب مقالات عبد الوهاب مطاوع الإنسانية.. نسي أن يكرمه كما يليق بالرجل.. بتمثال في بهو المبنى الكبير..أو أن يترك اسمه على الباب الذي ابتكره كمؤسس، لكن ما يدهشني أكثر هو هبوط توزيع كتبه التي تصل إلى مائة كتاب بعد رحيله.. وكان الكتاب الواحد له يوزع آلاف النسخ في عدد من الطبعات.

السؤال الذي مازال يحيرني فعلا وقد بحثت له عن إجابة وفشلت، أين ذهبت أجولة الخطابات التي كانت تصله كل يوم، إنني أعتقد أن عبدالوهاب مطاوع تلقى في حياته ما يساوي نصف مليون رسالة نشر منها لضيق المساحة الأسبوعية التي كان يكتبها أكثر بقليل من ألف قصة فقط! إلى أي مصير ذهبت كل قصص الناس الموجوعة التي كتبوها حتما بدموعهم ودمائهم؟

انتهت على كل حال بوفاته إلى مفرمة رسائل أو تسرب بعضها إلى بائع ورق قديم!

ومازالت مكتبة عبد الوهاب مطاوع في بيته الصغير مغلقة على رائحة سجائره، كتب تحمل آلاف العبارات التي استخدمها ناصحا صاحب مشكلة أو بطل أزمة، هذه الكتب الكنز هي اختياره الشخصي الذي استند عليه في رحلة البحث عن الحقيقة، كان يقول دائما إنه مثل حكيم يحمل مصباحا في ضوء النهار، فالناس تعرف كيف تحل مشاكلها، والحلول ليست مدفونة في عتمة الليل، لكنهم مع ذلك يبحثون عن شخص يثقون فيه يحملونه همومهم.. بينما غالبا لا يكترثون كثيرا للحل.

بقيت في مكتبه ثلاث رسائل وضعت بعناية في ملف أحمر، رسائل لم يكتبها ولم يحولها إلى قصة وإلى بريد منشور.. كان دائما يؤجل حلها، ويحاول أن ينسى أنها ترقد في ملف أقرب إلى أصابعه وإلى قلمه الحبر وورقه الأبيض. ومرة سألته عن سر الرسائل الثلاث، فقال افتح الملف الأحمر.

وقرأت بسرعة الصفحة الأولى.. كان المشكلة صعبة للغاية، مؤرقة، ولما سألته : لكنك في كل الأحوال جراح.. لماذا توقف مشرطك عن استئصال وجع هذه المشكلة؟

رد بهدوء وسيجارته بين أصابعه: ولأنني مثل الجراح.. صعب أن أجري جراحة لأقرب الناس لي!

وكانت المرة الأولى والأخيرة التي يتكلم فيها عبدالوهاب مطاوع.. عن مشكلة في حياته.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك