فنجان قهوة يسري الفخراني

يسري الفخرانيشركاء في الحياة

أبحث عن قلمي الحبر لأكتب به. كم اشتقت إلى زمن الحبر الأزرق حين يتحول إلى كلمات تعبر بصدق مفرط عن حالنا. أفتش في أرقام تليفوني عن أسماء أحبها فأكتب رسائل شخصية لا مناسبة لها أقول لهم فيها وحشتوني. عندي حنين إلى أيام بسيطة جميلة لم تعد معنا. أغلقت التليفزيون منذ أيام لأنني لا أريد أن أشاهد هذه الوجوه الباهتة تواصل الكذب والتلون، قطعت الطريق على ألسنة لم يعد معها سوى أخبار سوداء وإزعاج.

أريد فرحة. وأنت؟ تريد فرحة مثلي. تريد أخبارا سعيدة ملونة. لم يعد في القلب مساحة أخرى نخنقها بالحزن. ما رأيك ببحر أزرق لا نهاية له تجلس أمامه حافي القدمين؛ حرا تنطلق بكل خيالك إلى أحلام موحية بأمل. ما رأيك برواية حب لها نهاية سعيدة. ما رأيك بكتاب لأحمد رجب أو محمود السعدني؟ فيلم لعادل إمام أو محمد هنيدي؟ صورة كاريكاتيرية لمصطفى حسين أو صلاح جاهين؟

قلم حبر أزرق ببطء على الورق يرسم ويكتب أمنيات أصبح انتظارها مستحيلا. جلسة عائلة في بلكونة تطل على شارع هادئ. عشرة طاولة على مقهى مع أصدقاء. سينما وكورنيش وهواء يملأ المشاعر.

أريدك- مثلي- أن تسحب نفسك من هذه العادة السيئة التي صنعتها جلسة الكنبة أمام التليفزيون، تريد أن تعرف ما تعرفه. غريب جدا أن يكون كل ما نفعله هو أن نعيش نفس الحدث مرتين لنموت مرتين!

استيقظ يا صديقي ولا تضيع عمرك في تفاهات تستهلك أغلى ما تملك، لا يهم أن تعرف ما حدث لماذا حدث؟ ولا ما سيحدث غدا لماذا سيحدث؟ المهم أن تعرف ما يجب أن تفعله أنت من أجل نفسك ومن أجل بلدك لتصنع غدا أجمل.

للأسف لا أحد يريد أن يعرف دوره ومهمته ووظيفته وما يجب أن يفعله، كأننا نهرب من المسؤولية التي يجب أن نقوم بها بكل شجاعة، كأننا تحمسنا أن نكون مشاهدين فقط.

فقدنا أشياء بسيطة جميلة كنا نفعلها في بساطة فتجعل حياتنا وحياتك ممتعة وسهلة.. صباح الخير من القلب.. العمل الطيب لشخص في احتياج له.. الخدمة التي لا تنتظر مقابلا.. السؤال عن إنسان مريض.. دعوة حلوة من لسان طيب لباب السماء المفتوحة دائما لطلب أو رجاء.

كان الإنسان مبهرا بكرمه ونبل أخلاقه وضحكته في أصعب الأمور.. كان صلبا بعلاقته الحقيقية مع جاره وزميله وصديقه.. كان شهما في أصعب الظروف راضيا في أقساها.. فماذا حدث؟! ذاب وتلاشت صفات كثيرة عنه فتحول إلى كيان يحارب نفسه كما يحارب غيره.

ليس الجهل هو السبب كما أن ليس الفقر هو وحده المسؤول، تشابكت مجموعة أشياء بمهارة لتمتص دم الإنسان العربي بكل ما كان يحمل من صفات طيبة نادرة، فقدان الثقة في هويته- حمى الاستهلاك التي أصبحت جزءا رئيسيا من معيشته- عدم الاستقرار الذي أربك كل وضع لأمان داخله.

الفقر يمكن احتماله في وقت الرضا، والجهل لم يكن يوما عائقا أمام الإنسان ليتعلم الذوق والفهم والاحترام. في جدودنا ملايين لم يفك أحدهم الخط؛ لكنهم كانوا رجالا وكانوا مبدعين وكانوا محترمين.

دائما هناك أمل.. في نور الشمس الذي يشرق كل صباح.. في ابتسامة تفاجئك من طفل صغير.. في استدارة واختفاء القمر كل شهر.. في ورقة صغيرة تجدها في رواية بين صفحتين مكتوب عليها {بسم الله الرحمن الرحيم}.. في خبر يسعدك وكنت تظن أنك لن تعيش وتسمعه.. في كلمة طيبة يقولها لك شخص لا تعرفه تقابله مصادفة في الطريق.. في سهرة بسيطة مع أصدقاء تشعر فيها ألا قيمة للحياة دون الناس الطيبة التي تحبك من قلبها.

انظر في نفسك وستجد أن الله كما خلق لك الألم خلق معك الأمل.. كما خلق الاختبار منحك الحل. حالة اليأس التي تملأ النفوس لا يجب أن تكون النهاية؛ إنما يجب أن نضعها نقطة قي نهاية سطر لنبدأ سطرا وصفحة وكتابا جديدا، كل واحد فينا مسؤول عن تغيير حياته وحياتنا، كل واحد فينا قوة كبيرة يمكنها أن تمحو أخطاء وترسم بدلا منها صورا جميلة للحياة.

اليوم أجمل من أمس لأنه مازال في أوله؛ وهو أجمل من الغد لأنه معنا، نحن شركاء في هذه الحياة وشركاء في هذا اليوم، وأرجو أن يكون مقالي دعاءً لكل يائس أن ينفض عن نفسه الضعف، ويتوكل على الله ويقرر مصير حياته التي تضيع منه، أرجو أن يكون قلمي سفينة نوح إلى شاطئ لا يمسه الطوفان، إنما ندرك فيه أن الله خلقنا لكي نغير أنفسنا ونبحث لها عن السعادة وراحة البال.

لا تشغل بالك بأكثر مما أنت مسؤول عنه ولا تنظر لأبعد من اليوم الذي تعيشه.. لا تنس أن المفاجآت تحدث في لحظة.. تغير كل الأشياء بين لحظتين. التفت إلى ما تملك ـ وهو كثيرـ ولا تبك على ما لا تملك فهو أقل بكثير مما تتصور.

نحن نملك الحياة.. ليست الحياة هي التي تملكنا، ابحث داخلك عن القوة التي تخفيها وعن الحلم الذي تنكره، وعن نفسك التي لا تعرف ماذا تريد؟ تحدث مع نفسك عن الحياة التي تريدها بوضوح، عش حياتك وعش نفسك وعش الواقع الذي تملكه، وستجد أن حياتك مازالت معك يمكنك أن تفعل بها الكثير.

مئات التفاصيل الصغيرة التي يمكن أن نفعلها في حياتنا دون أن نبذل جهدا كبيرا، لكنها يمكن أن تغير حياتنا وبلدنا في يوم وليلة، يجب أن ننشغل بحياتنا أكثر وبيومنا أكثر وبأحلامنا أكثر، وبالأمل في تغيير العالم من حولنا أكثر، فكلنا شركاء في حياة تحتاج كل طاقة إنسان لكي يقاوم كل وأي تغيير في هويته.

الأمل في كف يدك.. الأمل أن نعود إلى أصولنا وإلى جذورنا، إلى أطيب ما فينا وأجمل ما فينا، الأمل في أن نفتش عن أنفسنا من تحت التراب لكي نعود كما خلقنا الله بشرا.

إنني أرى الأمل ولو كان بعيدا.. أراه محلقا مثل عصفور ولو كان مازال في أول الطريق من بعيد.. أراه لا محالة قادما لكي ينقذنا من متاعب الزمن وفاتورته القاسية التي ندفعها كل يوم.

في يوم من الأيام ستثمر أشجار تصورنا أنها ماتت، ستغرد طيور تصورنا أنها رحلت، سيكون في عيون الأطفال بريقا نفتقده، وسنضحك فكم نشتاق إلى ضحك من القلب.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك