فنجان قهوة بقلم: يسري الفخراني

يسري الفخراني

مذكرات كاتب في إجازة

كان اليوم الأول لي في إجازتي القصيرة، جئت إلى هنا هاربا من كل أخبار الدنيا، أغلقت تليفوني فأغلقت معه كل نوافذ تطل على الحياة الصاخبة التي تركتها خلفي تعبت.. من القاهرة إلى الجونة فرق ساعة على ارتفاع 33 ألف قدم فوق سطح البحر، لكنها في الحقيقة مسافة كافية لكي أستعيد رؤية الخطوط الدقيقة التي أحملها في كفي، مضت سنة لم آتِ إلى هنا، مضت في الحقيقة سنة لم أحصل فيها على إجازة، وضعت حقيبتي الصغيرة وانطلقت إلى البحر، هذه المدينة الصغيرة التي تعيش على يمين مدينة أكبر اسمها الغردقة، والاثنتان تطلان بزواية مفضلة على البحر الأحمر. أنا أعشق البحر في كل أحواله وكل مواسمه وكل ألوانه وكل تقلباته وكل جنونه، أعشق المد والجذر، أعشق الشمس حين تصبح وشما على صفحة البحر، وأعشق النجوم حين أجلس أعدها وأكبشها وأخبئها في أكمام قميصي.

متي يجب أن نحصل على إجازة؟

في السيارة التي انتظرتني لتوصيلة بين المطار والفندق كنت أفكر، وجبال البحر الأحمر تعبر على عقلي المتوقف تماما عن التفكير، متى يجب على الإنسان أن يحصل على إجازة؟ هل عندما يموت؟ هل عندما يكون على عتبة الموت؟ ألا يمكن أن يكون القرار مبكرا عن حالات الموت؟

في السيارة صوت موسيقى مبهجة، الموسيقى دائما تشبه لوحة الموناليزا، يمكنك أن تراها حزينة أو سعيدة حسبما الزاوية التي تنظر منها. في الاستقبال تركت توقيعي وملحوظة مهمة: أرجو عدم الإزعاج وقطع كل وسائل الإتصال بي.

كان البحر كما توقعته في هدوء العشاق القدامى، يحرس كل المراكب الصغيرة التي تمر به تحمل واحدا أو اثنين، سمك صغير ملون يعبر ببطء وثقة من أمامي، رجل عجوز تبدو لكنته أنه إيطالي منسي يستلقي في استسلام تحت الشمس، هل يصلح هذا الرجل أن يكون قصة؟ يموت الزمار وأصابعه تلعب، ويحصل الكاتب على إجازة وقلمه يحرضه على التقاط قصة.

ـ مساء الخير صديقي.

ـ مساء الخير.

نتبادل التحية كغريبين يجمعهما بحر واحد؛ هو من جنوب إيطاليا كما توقعت له، رحلت زوجته منذ خمسة أعوام، ومازال يأتي إلى هنا في ذكراها، يحجز نفس الغرفة المطلة على البحر، ويمارس نفس الطقوس التي كانا يقومان بها معا، ما أجمل الحب حتى حين يتحول إلى ذكريات مبعثرة نأمل في لحظة أن نلضمها في كيان واحد، ماذا بقي له؟ ماذا بقي لعجوز يبحث في أيامه الأخيرة عن منفذ إلى النهاية، ماذا يبقى من رحلات الشقاء والتعاسة وأيام الأرق والخوف والقلق إلا حزام أمان يلف به جسده النحيف، وهو يمضي في مشواره الأخير.

يجلس إلى نفس مائدتهما القديمة عند البحر، يشعل نفس الشمعة، يطلب نفس الطبق يجلس نفس الوقت، يطلب نفس الموسيقى من عازف الساكس، يتكلم مع نفسه في صمت يليق بافتقاده سيدة عمره وبطلة قصة حياته. هل يطل الحب بقوة حين يغيب أحدهما؟ هل يصبح حبا صافيا حين نفتش عنه في زوايا حياتنا؛ فنكتشف أن ملهمنا الحب قد رحل؟

قال لي: صديقي.. هل تعرف ما هو الحب؟ أن تتأكد حتما أن في حياتك إنسانا يفهمك دون أن تتكلم، ويشعر بك دون أن تعبر عن مشاعرك، كانت زوجتي مصدر إلهامي ونبع الحنان، حبي لها لم يتغير هو كما هو لم ينقص ولم يزد، وهذا يؤكد لي أنني امتلكت امرأة عمري وافتقدت امرأة عمري أيضا. إنني لم أحزن يوم رحيلها؛ لأنها كانت مريضة بهذا المرض الذي يجعلني أقف أمام آلامها عاجزا على أن أفعل لها أي شيء، كنت أذهب معها جلسات العلاج وأراها من خلف الزجاج تحاول أن تبتسم رغم معاناتها الشديدة خوفا على حزني.

كنت أستمع له، وبيننا بحر قرر في لحظة غير متوقعة أن يفعل شيئا من جنون، هبت رياح وعاصفة فبدت مثل موسيقى تصويرية خلفنا، وهو يحكي عن حبيبة ذهبت ولن تعود، لكنها هنا تركت كل شيء، بصمات أصابعها على الرمل على الماء على حواف الأطباق والملاعق على مفتاح غرفتهما المشتركة. كانت هنا، ويشير لي على مكان هناك بجوار مائدة صغيرة على البحر، كنا هنا معا حين شعرت لأول مرة بضعف المرض، دوار ووجه أصفر وعرق وإجهاد مفاجئ، وتناولت يديها الرقيقتين لكي نعود إلى غرفتنا، سافرنا ولم تعد معي مرة أخرى، فقد رحلت بسرعة مذهلة، قبل حتى أن أعبر لها عن حجم حبي.

يا صديقي هل يمكن أن أخاطبك كصديق أسألك سؤالا: لماذا نؤجل اعترافنا بقدر الحب الذي نحمله لطرف آخر حتى وقت آخر؟ هل نضمن أن في العمر بقية يمكنها أن تستوعب قوة الاعتراف؟ أم نخجل أن نعترف اعترافا كاملا لمن نحبه حتى لا نصبح أمامه ضعفاء تماما؟ ألست معي أن الاعتراف بالحب.. هو منتهى القوة؟ وهكذا أصبحنا أصدقاء.

كان الرجل في حاجة إلى صديق في أيامه القليلة التي يقضيها لإحياء ذكرى رحيل زوجته، كان يومه لا يتغير مبكرا عند شروق الشمس يجلس في استقبالها أمام البحر، كان يفعل ذلك تماما معها هذه أسعد لحظات الحب، كانت تقول له: إن ملاك الحب يستيقظ مبكرا قبل البشر لكي يوزع حبه على من يستقبل شمس الله معه، كان يصدقها وكان خائفا ألا يصدقها. مائدة إفطاره لشخصين، كأسان من عصير البرتقال، فنجانا قهوة، طبقان، وقطعتا خبز وجبن.

ثم يمشي قاطعا البحر بطوله ينظر إلى خطواته، يبحث عن قواقع البحر المهملة على الشاطئ، ويعود سعيدا بما يجمعه، كانت أجمل وأغلى هداياه لها ما يجمعه من على الشاطئ فيعودا بذكريات لا تنسى. جلد وجهه المشدود لا يلغي سنوات عمره، وحين تفلت منه ضحكة يصغر عشر سنوات قبل أن يعود فيستردها كأنه سعيد بحزنه تعيس بسعادته، مهتم بأن يكون على مستوى جرحه النبيل. تهديك الإجازات أشياء غير متوقعة قصة أو فكرة أو إنسانا أي شيء يربك توقعاتك هذا رجل مذهل، ليس في حبه العميق الذي يحيه مثل درويش، لكن في أمانته التي يمارسها دون اصطناع حزن يغريك بالتعاطف معه.

هذه إجازتي تبدأ برجل درويش ينعش في قلبي معنى الحياة ومعنى الحب، يرغمني أن أسلم له بعضا من وقتي لكي أسعده أو أكون على الأقل شريك شجنه الجميل. وضع حقيبة سفره الصغيرة على عتبة الفندق، هكذا يسافر بتلك الحقيبة غير المتوقعة كأنها حقيبة تحمل رسائل لا ملابس وأغراضا.. خفيفة مثله خفيف، يبحث في كل الأماكن عن زوجته التي رحلت عنه وهي تغمض عينيها وتهمس بكل ضعفها الأخير: أحبك. قال لي: محطتي القادمة باريس، سأزور متحف اللوفر، سأرى معها الموناليزا كانت تحب الموناليزا، وكنت أنظر في عينيها وأقول لها: أنت الموناليزا.

وداعا.. وافترقنا وعدت أبحث عن إجازتي من نقطة الصفر، كأنه غادرني فجأة شريك رحلتي فترك فراغا. عدت إلى غرفتي لأجد على عتبة الباب كيسا صغيرا من قماش مشغول وداخله بعض من قواقع البحر ورسالة: صديقي.. إنها هديتنا لك صديقا عزيزا.. أنا وماري. أنا وماري نحبك. هل قلت لك أن زوجتي الحبيبة اسمها مارى. لا تنسانا.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك