كتاب اليقظة

فنجان قهوة بقلم: يسري الفخراني

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

يسري الفخراني

رسالة غرام إلى حبيبتي !

في يوم من الأيام، بدأت الكتابة على صفحات مجلة “اليقظة” ضيفا، وبعد عشر سنوات تحولت إلى صاحب بيت. أنا أحب هذه المجلة، وأكتب لها.. لا أكتب فيها، وأعرف بعض قرائها بشكل شخصي.. ولكني دائما أشعر بكل قرائها بإحساس الرسائل التي تصلني.

هذه مجلتي، أكتب لها من القاهرة، وأحيانا أكتب لها من لندن ومن باريس ومن بيروت ومن روما، حين أسافر أحملها معي، أماكن قليلة أنتمي إليها حين أكتب.. هذه المجلة أحدها.

أحب في اليقظة أنها متجددة دائما، تفاجئني كل أسبوع بتغييرات شهية، تفتح النفس على القراءة وعلى الكتابة، والحقيقة أنني أحتفظ بكل أعداد اليقظة من باب أن بها أفكارا كثيرة للحياة الأجمل، وأنا أنتمي للمدرسة الصحفية التي تشعل الشموع لا تطفئها.. تبحث عن القمر وعن الشمس وعن الأمل.

حين أستعد للكتابة في “اليقظة”، هذه طقوسي، صباح مبكر، فنجان قهوة أعده على مهل، مشهد مطل على حديقتي، نور بسيط من أباجورة، موسيقى، وورق ملون

في العمل، هناك مقالات تكتب على طاولات الطرقات، مع فنجان قهوة سريعة، وهناك مقالات تكتب بتمهل على طاولات مستقرة في مكان جميل.

أحب قارئ “اليقظة” وأضع له اعتبارا، فهو مدقق وذكي ومتذوق، ويرسل لك على البريد الإلكتروني دائما رسائل قصيرة تفاجئك أنك لست وحدك، رسائل لم يعد الكاتب يملكها في زمن لا يكتب قارئ لكاتب رسالة إلا لكي يختلف معه أو يهينه أو يصحح له أو يقاطعه. لكن قارئ “اليقظة” لا يبخل على كتابه بورود.. ولا يتأخر في الكتابة لهم من كل مدن العالم.

في لندن مرة على مائدة الإفطار في الفندق الذي أقيم فيه فاجأتني عائلة لبنانية تسكن في باريس وتقضي إجازتها في لندن أنها تقرأ اليقظة باستمرار، وبالتالي تقرأ مقالتي بها، وأنهم يطلبون طبعة خاصة من اليقظة تهم القارئ العربي في أوروبا مثلما تفعل المجلات العالمية. وطلبوا أن أنقل الفكرة إلى إدارة التحرير.. وها أنا أفعل.

المجلات من أكثر الأشياء التي ترتبط بها العائلة، والمجلة الناجحة هي التي يجد فيها كل فرد من الأسرة صفحة أو موضوعا أو مقالا يهمه فيها. و”اليقظة” تفعل ذلك من دون فلسفة ومن دون تعقيد ومن دون لف أو دوران، فهي أنيقة في بساطة وهذا سرها.

أغلفة اليقظة هي عنوانها، وهي دائما متفائلة، تحمل ابتسامة ما، الصور الجميلة تجعلنا نعيد النظر في رؤيتنا للحياة، والصور في “اليقظة” دائما تطل منها روح جميلة. عرفت مرة من عالم النفس الشهير أحمد عكاشة أن رؤيتنا للجمال عدة مرات في اليوم تجعل صحتنا النفسية أفضل. نحن في احتياج لأن نرى الكثير جدا من الجمال وسط هذه الكومة من القبح أو هذه الخيبات من الفشل والألم.

تحمل صفحاتها جرعات كبيرة من الطاقة الإيجابية، كيف تغير حياتك وتجعلها تستحق الحياة، كيف تحقق نجاحا وتقضي على الخمول وتقاوم السقوط، وعلى الرغم أن كثيرا من هذه الموضوعات تبدو مكررة أو مجرد نظريات لا يمكن تطبيقها بهذه السهولة على حياتنا، إلا أن مجرد حث القارئ على أن يقرأ ويتخيل ويعيش هذه الحالات.. هي مقاومة في حد ذاتها.

معجب أنا بكتابات محمد رشيد العويد، فهو رجل ذكي عميق التحليل وراقي النظرة للمرأة وللعلاقات الزوجية، يكتب باقتدار وبصبر كمن يغزل ثوبا كاملا من الصوف لكي نتقي شر البرد. وهو كنز متصل ونبع لا ينضب في اليقظة.

كذلك كتابات السيدة مريم باقر، فهي بسيطة دقيقة حنونة مليئة بالتفاصيل التي تفك شفرة أشياء كثيرة في حياتنا ومن حياتنا.

أتابع كل أسبوع كتابات السيدة آمنة الغنيم، الحرملك، إنها متسللة رائعة لما وراء الأبواب المغلقة، تحكم نبش العقد التي تحكم حياتنا، لا تفوتني.

وأحب تماما حكايات السيدة داليا محسن من الحياة، إنها وفية أمينة في النقل وفي النصيحة، وكتومة لأسرار قرائها. أما صديقي محمد رجب فأجندته دائما مليئة بالحوادث الملهمة المثيرة التي يعيد كتابتها بأسلوب رائع.

المجلات مثل النساء، بعضهن يرتدي الأغلى.. لكنهن لا يعرفن كيف يرتدين ما يناسب ملامحهن.

تبدو اليقظة، مجلة شابة بعد كل السنوات، وهذا ذكاء صانعها، فكما تملك الخبرة لابد أن تملك الإثارة والرونق والجمال. وهي قد استعانت بأقلام شابة تكتبها بلغة سهلة لكنها ممتعة، مسلية دون أن تفقد عبق أو عمق الكلمة.

الكلمة هي أجمل مخلوقات الله، فهي التي تشكل معاني الجمال، والكلمة هي صانعة كل شيء، صانعة الحرب وصانعة السلام، صانعة الأمل وصانعة اليأس، صانعة الحكمة وصانعة الخوف، صانعة الثروة وصانعة الفشل.

هذه المجلة تجيد تقديم البهجة للقراء كل أسبوع، مهمة صعبة، ومهمة جميلة، وهي صادقة في أخبارها، لا تبحث عن فضيحة وإن كانت لا تتوقف عن كشف سر أو خبايا النجوم بحرفية، كما أنها نجحت في تقديم أخبار المجتمع الكويتي بطريقة مشرفة. ومنها عرفت كثيرا وعرف غيري أن في الكويت شبابا يملك أفكارا لامعة في خدمة الحياة ويملك من البنات والسيدات من يملكن أفكارا جذابة في خدمة المجتمع.

أستمتع تماما بقراءة الحوارات التي تنشر قصص نجاح بنات في عمر الزهور، يصنعن مشروعات جديدة بعزيمة وحب. أظن أن ما نشرته اليقظة على مدى تاريخها يصلح لكي نعيد من خلاله قراءة التاريخ الحديث للكويت أو معرفة التطور الذي حدث من خلال البشر، وهو أمر جيد، وربما تفعل المؤسسة ذلك، أن تعيد تقديم كل ما لديها من رصيد يكفي لكي يكتب تاريخ الكويت الحديث.

لم أزر الكويت ولا مرة.. لكنني أعرفها من صفحات اليقظة، وهذه صنعة جيدة لمجلة يبدو اهتمامها بالمرأة.. لكنها في الحقيقة تهتم بالمجتمع وترصده، وأتمنى أن يكون لـ”اليقظة” طبعات عربية تهتم أكثر بما يحدث في مصر وفي لبنان وفي المغرب العربي، فهم يستحقون وهي تملك أن تفعل.

في مصر عرفت اليقظة طريقها إلى البيوت المصرية، مما يعني أنها أصبحت مجلة صديقة، وعرفت طريقها إلى صالونات التجميل لتقرأها النساء في أسعد أوقاتهن وهن يستمتعن بلحظات الهروب من الحياة وصعوبة الحياة ويناقشن ما ينشر فيها ويعملن على بعض نصائحها.

إنني كتبت لـ”اليقظة” أجمل ما كتبت، فلها عندي حظ سعيد ومكان في القلب وعند القلم، وكأنني أرى أن كل قرائها يقظون مستعدون بكامل ملابسهم للقراءة. ومرة ومرات.. ترسل لي قارئات بريدا يخجل تواضعي وهو أن بعضا مما كتبت قد غير بعضا من حياتهن.

مهمة الكاتب أن يجعل القارئ أولا سعيدا بما يقرأ.. ثم يأخذه لكي يفكر.. ثم يترك له حرية القرار.. ولا أحب أن أفرض على من يقرأ رأيا أخيرا.. فدائما أضع عشرات الحلول لأزمة أو مشكلة وعلى كل قارئ أن يختار ماذا يريد.

وسوف أظل عاما بعد عام محبا لـ “اليقظة”، وهذه مسؤولية، وربما تكون المسؤولية الوحيدة التي أحبها، فشكرا لمن وضع قلمي هنا.. وشكرا لمن جعل قلبي هنا. أنا أحب “اليقظة” فعلا وأحب قراءها.