فنجان قهوة بقلم: يسري الفخراني

يسري الفخراني

يا صديقي.. الشمس تشرق في اليوم مرتين!

لا تيأس، الشمس تشرق مرتين في اليوم، تبدأ الحياة نفسها مرتين في نفس الـ24 ساعة، يمكنك أن تكرر تجربة حياتك مرتين في نفس الحياة، الفشل لا يعني النهاية، السقوط لا يعني أن العمر انتهى، يمكنك أن تنتظر الشروق مرة أخرى.

الحياة نوع من الإبداع، لا يمكنك أن تنجح في أن تعيش حياتك دون إبداع، الإبداع لا يحتاج إلى ثروة.. يحتاج إلى تفكير هادئ، كيف تريد حياتك؟ وماذا تريد من حياتك؟

كان هناك طفل صغير يدرس ويعمل من أجل أن يجد مصروفا لدراسته، طفل لم يتجاوز عمره 9 سنوات، في هذا العمر الصغير، ينجرح القلب من فقدان طفولته، لكن الأب العاجز عن كسب ما يكفي تعليم ومعيشة أطفاله، جمعهم وقال لهم: يمكنكم أن تؤجلوا طفولتكم حتى تكبروا، الإنسان يعيش طفولته مرتين، إحداهما طفلا والثانية عجوزا، لم يفهم الأطفال إلا طفلا واحدا وجد أن ما يقوله الأب هو الحل الوحيد أو هو عين العقل، في كل الأحوال كان الوضع الموجود لا ينبئ أبدا أن الطفل الصغير سيعيش طفولته، ولو حاول سيخسر كل شيء، مؤكد أيضا أنه سيخسر فرصته للتعليم، وفي كسب بعض المال لكي يعيش.

وضع الطفل نفسه رهن التعليم والعمل، كان يعمل ويتعلم 12 ساعة في اليوم، بينما رفض بقية الأطفال النصيحة، قرروا أن يحصلوا على حقهم في طفولتهم، في اللعب والبهجة والتعليم، كبر الأطفال لم يستطع أحدهم أن يكمل تعليمه بسبب عدم وجود ما يكفي من المال، بدأوا بعد وقت قليل في البحث عن أي مهنة يقتسمون معها بهجة الطفولة، بينما كان الطفل الوحيد الذي أجل طفولته مستمرا في خطته، التعليم والعمل، كان يشعر كثيرا بقسوة ما يفعله على نفسه، لكنه كان مستريحا في تأجيله لحياة الطفولة حتى يكبر، لم يكن هناك أمامه أي فرصة أخرى، كان يريد لنفسه حياة مختلفة مميزة، ينقذ نفسه من ذل الفقر والاحتياج والفشل، كان يثق في قدرته على أن يصبح في يوم ما غنيا، مهما كان الثمن باهظا، هو رآه ممتعا، يشعر أنه يلهو مثل الأطفال، لكن بماكينة الخياطة في المحل الذي ذهب يعمل فيه صبيا يحمل أثواب الأقمشة وبقايا الخيوط من أرض المحل في آخر اليوم.

كبر الطفل يوما بعد يوم، ما يكسبه من أجر وبقشيش، يشتري به كراسة وقلما، يدفع مصروف مدرسته، يشتري في الأعياد لعبة يقتسم اللعب بها مع إخوته حتى تنكسر. كان كلما زاره اليأس قرأ درس الجغرافيا التي تقول إن الشمس حين تغرب من الشرق تذهب لتشرق في نفس اليوم من الغرب، كانت الجغرافيا حصته المفضلة التي يرى بها خريطة العالم، ويسير بأصبعه على المدن وعلى الدول وعلى البحار والمحيطات، وكان يحلم بأن يكون يوما مثل عصفور يسافر من مكان إلى مكان خفيفا بسيطا، ولم يكن يعرف كيف يمكن أن يحدث ذلك لكنه يحلم، منذ متى والحلم يحتاج إلى تفسير، الأحلام أجنحة تنقلنا من زمن إلى زمن ومن مكان إلى مكان، الأحلام سفينة نوح التي تنقذنا من الموت المبكر.. قبل أن يكتمل عامه العشرين كان قد أصبح شريكا في محل خياطة، وقبل عامه الخامس عشر أصبح صاحب محل يبيع الملابس الجاهزة للشباب، وفي الثلاثين أو قبلها أصبحت لديه واحدة من أهم سلاسل محلات الملابس في العالم، يكسب صباح كل يوم مليوني دولار!

هذا الشاب.. لم ينظر إلى حاله وهو فقير ويقول إن هذه هي النهاية، لم يقل إن النجاح فقط هو من نصيب الأغنياء الذين يولدون بملاعق الذهب، لم ييأس رغم الجوع ورغم البرد ورغم ملابسه الممزقة، قاوم كل إحباط بحلم وابتسامة، كان يعرف أنه حتما سيصل إلى ما يريد، كل السفن التي تعاند التيار يمكنها اختصار المسافات الطويلة بالتحدي والمغامرة، وهو يقول دائما إنه لم يكن يحلم بكل هذا النجاح؛ لكنه كان يحلم بالنجاح، وكان يعرف أنه سيحصل على النجاح في حياته، وحكمته المفضلة عند كل مشكلة “الشمس تشرق مرتين دائما”

وفهم لماذا قال لهم الأب وهو صغير: إن الإنسان يمكن أن يعيش طفولته في وقت لاحق إذا لم تتوافر له في الوقت الحالي. أكثر الناس قدرة على النجاح.. كم أكثرهم قوة على قبول الفشل! أن تتوقع ملامح الفشل وتكون مستعدا لأن تتقبله وأن تتفاوض معه على أن تبدأ من أول وجديد؛ خير ألف مرة من أن تفعل كل شيء بحساب فلا تبدأ أي خطوة خوفا من الفشل.

النجاح الكبير.. يحتاج دائما إلى جرأة كبيرة.. النجاح يحب الأقوياء.. لا يوجد أمل إلا في يد تعرف كيف تعزف ألحانا جميلة من الأشياء التي تملكها.

كان هناك شاب كفيف هو أصغر إخوته، الشاب ترك له أهله حرية اختيار مستقبله خوفا من إفساد حياته، فهم رأوا في عاهته ما يكفي ليتركوه حرا مهما حدث له؛ لكن الشاب لم يحول الشفقة على عاهته إلى يأس وانكسار. لم يترك للآخرين مهمة العطف عليه وتفسير أخطائه على أنه لا يرى ولا يعرف.. تعلم الشاب الموسيقى وبذل جهدا غير عادي ليتميز، أصبحت الآلة التي يعزف عليها ناعمة وطائعة لكل حواسه، بحث عن كل فرصة يمكن أن يتعلم منها أو يعمل بها، بعد أقل من 15 سنة أصبح موسيقارا عربيا كبيرا، كل الناس تبحث عن ألحانه وتحب جلساته التي يحكي فيها كل ما تعلمه من الحياة، قصة الموسيقار عمار الشريعي، وكان دائما رغم كف بصره يقول أيضا: يا صديقي لا تيأس مهما حدث فالشمس تشرق في اليوم مرتين.

حتى عندما أصيب لأول مرة وهو في منتصف عمره شابا صغيرا بمرض خطير في القلب، هدد حياته ومنعه من السفر ومن العمل، كان يردد نفس العبارة بنفس راضية، ولعله عاش نصف عمره الثاني بقوة هذه العبارة، بسحرها.

الله في كل مكان خالق الأمل يمنحه لنا في كل وقت وكل زمن، الأمل يتحول أحيانا إلى رماد مثل كل الأشياء لها عمر افتراضي، لكنه ينبت مرة أخرى من نفس الأرض الخصبة بقوة هائلة لكي تستمر الحياة.. لا شيء يستحق يأسك أو إنكسار روحك أو انعدام قدرتك على الحياة؛ أو انغماسك في الموت المريح، بالعكس.. أقوى الأشجار هي التي تقاوم العطش والبرد والرياح.. الانحدار من قمة إلى أسفل.. كما هو قاس هو طاقة يمكنك أن تعيد بناء نفسك بها.. كل يوم في حياتك هو عمر مستقل ودرس منفصل..

ابحث عن حلمك مهما كان بعيدا.. الاستمرار في البحث هو نفسه الشمس التي تشرق في اليوم الواحد مرتين.. لا تنس.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك