فنجان قهوة بقلم: أجرأ وصفة للسعادة: بنك الحب! يسري الفخراني

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

 

نفس السؤال يطاردني من القراءة.. عشرون عاما وأكثر: هل ما زال هناك حب؟ هل هناك شيء اسمه الحب؟ هل هذا زمن الحب؟ أو هل العصر الذي نعيشه يملك صفحة بيضاء واحدة يمكن أن نكتب على هوامشها كلاما في وصف الحبيب ورعشة القلب ورجفة الأصابع والأعصاب، على أن نرسم في منتصفها قلبا وطفلا جميلا يحمل سهما ويضع على كل نقطة قبلة؟

نترك السنين خلفنا دون أن نترك السؤال عن حقيقة الحب.. دون أن نتخلى عن الشك في الحب.. والشك في أن علاقتنا العاطفية المتنوعة يمكن أن نسميها “حب”.

هذا كلام مباشر، واضح صريح وبسيط عن الحب.. أو عما اتفقنا في ما بيننا عمرا من بعد عمر، وزمنا بعد زمن، وعاشق بعد عاشق، أن نسميه “حب”!

فليس هناك في الحياة كائن أو كيان أو جسد أو عصفور أو شجرة أو ملامح اسمها: “حب”، لكن هناك مشاعر وإحساسا واحتياجا ودفئا وأمانا ويقظة واتفاقية غير معلنة وغير مدونة، مثل خيال مثل دخان.. مثل نسمة هواء موحية في ليلة صيف تباغتنا.. تطاردنا.. تطردنا من العتمة إلى النور.. ومن الألم إلى السعادة.. ومن البرد إلى النار.. ترفعنا من الأرض إلى السماء ومن الفشل إلى النجاح ومن السقوط إلى الصعود.. مجهولة الاسم والهوية وفصيلة الدم وجهة الميلاد ومحل الإقامة..

حين صادفتنا، تلك الحالة التي لا تشبه حالاتنا العادية، والتي لا نجد لها تفسيرا ولا بداية ولا نظرية ولا وقتا محددا للاشتعال.. أنقذتنا كلمة من حرفين اسمها “حب”.. فسميناها، بعد أن سمينا عليها باسم الله العلي القدير فاطر القلب حبا خالق الحب والرحمة والود،..”حب”.

لمن ما زال يسأل: هل هناك حب؟

أقول: وهل كنت تبقى على قيد الحياة لو فُقد هذا الذي سميناه “حب”؟! هل كنت تستطيع أن توقظ نفسك هذا الصباح؟!

الحب هو كل الأشياء الخفية التي تدفعنا إلى ممارسة الحياة بكل ما فيها من جد ولهو.. من حيرة وحرية.. من انتظار وانتصار.. من دموع وضحك.

الحب تيار سري يحرك الحياة يدفعك للبقاء.. ما الذي يدفع غريقا لأن يستغيث؟! ما الذي يدفع مريضا ليقبل إجراء جراحة خطيرة ومؤلمة؟! ما الذي يدفع أما لأن تتحمل وتتعذب لميلاد طفل؟! حب الحياة.. إنه الحب.. الحب الذي يجعلك معلقا بحبل خفي إلى أشياء تمدك بما يلزمك بعواطف دافئة ومشاعر نابضة لتبقى إنسانا في حياة تعذبك بمفاجآتها وأزماتها.. لكنها تدرك أنك أقوى منها ومن كل صدماتها بهذا الذي اتفقنا أن نسميه.. “حب”!

الحب بين امرأة ورجل هو أرفع أنواع الحب الإنساني.. لأنه هو الدخان الذي أصبح حقيقة.. نحن نولد ولا نعرف أي امرأة سوف تصادفنا حبا.. ولا أي رجل سوف يداوينا ويختطفنا عشقا!

نقابل مئات الناس.. آلافا.. على الطريق إلى الأيام التالية من العمر، دون أن ندرك من هو الإنسان الذي يصادفنا حبا بحب.. ويصادقنا مشاعر بمشاعر.. تلك اللعبة الجميلة.. أجمل ما فيها أنها تتدفق في العلاقة بين اثنين مثل تدفق طفل لم يخلق بعد في رحم أمه.

هذا الدخان الذي يتكون ويتكور ويتمدد ويتشكل وينفخ فيه من مشاعر وعواطف وحواس وعطاء طرفين.. اثنين.. قلبين.. ليصبح مخلوقا اسمه الحب.. هو الحب ذاته.. هو ما يمكن أن نصف به الحب دون أن نختصره.

يحب الله المحبين.. يرعاهما.. يتقبل دعاء اثنين على وشك الحب.. ليصبح الحب بهما وبينهما حياة وبيت.. يمد الله المخلصين منهما مشاعر تتجاوز حدود العقل والقلب معا.

خلق الله الحب ليبقى الحب ونبقى معه على حب..

وحين ينتهي الحب، حين نتصور أننا نملك أن نقول إجابة عن سؤال عن الحب.. إنه انتهى و”رحل أمس في ظروف غامضة”.. سوف نعلن وقتها وفاة الحياة ذاتها، وفاة آخر ما نملك من أمل في عتمة الأيام الصعبة.

لا يموت الحب ولا ينته ولا ينام ولا يذهب في إجازات صيفية ولا عطلات نهاية الأسبوع ويتركنا في البرد والوحدة.. إنه منحة الله التي لا ترد.. لا تموت.. لا تنتهي.. لا تتركنا آخر الليل دون أن “تطبطب” علينا وتضع على القلب قبلة سعادة.

 أنا أحب الحب وأدافع عنه في كل وقت.. ومهما كان الوقت؛ مدافعا عن قيمة مهمة لا نعرف تماما كيف نعيش بها حياة أفضل!

إن كل تعبير عن الحب وكل طاقة في الحب توضع في بنك الحب، حيث تتضاعف كل المشاعر والأحاسيس وتبقى في أمان بعيدا عن لصوص الحياة.. فلا تتردد في أن تحمي مستقبلك بالتوفير في بنك الحب.. اسمع كلامي ولن تندم.. لا تجعل الوقت يفوتك فتندم.. وسوف تندم طويلا وكثيرا.

وحده الحب يجعلك كيف ترى الحياة أجمل مع من تحب.. يجعلك تتغلب على كل الظروف الصعبة لأن الحب باختصار هو أن تستيقظ كل صباح وتعرف أنك لست وحدك في هذه الحياة.. وأن هناك من يتحمل نصف همومك ويمنحك نصف سعادته!

الحب خيوط ناعمة من مشاعر خلقها الله لنا كأجمل نعمه الكثيرة، مشاعر يرفضها الكسالى الذين لا يريدون أن يبذلوا طاقة لاستخراج هذا الكنز الكبير من أجسادهم المترهلة.. فيلعنوا الحب والمحبين، ويطاردون من يحب حتى يصبح ساحرا شريرا يكره الحب ويكره نفسه!

الحب لا يختصر في يوم أو باقة ورد أو صندوق شيكولاتة.. الحب أن تجد شركاء لك في مشوار الحياة الصعبة، يخففون عنك ويخافون عليك!

الحب رزق يمنحه الله لمن يشاء ولا يمنعه عن أحد إلا أولئك الذين يرفضون الحب والذين يسخرون من الحب.. أن تعيش منزوع القلب والمشاعر بلا حب.. هذا قمة العذاب!

نعيش زمنا صعبا نقسو فيه على أنفسنا.. نتجرد من مشاعرنا كلما أمكن من أجل أن نواصل الحياة ونتحملها.. نحمل وجوها “بلاستيك” وقلوبا “بلاستيك” وأصابع “بلاستيك” وحروفا “بلاستيك” وزهورا “بلاستيك”.. نتصور أن هذه هي الطريقة الأفضل من أجل أن تمر أيامنا على خير.. فتمر الأيام والعمر معها.. بتعاسة مفرطة وحزن بالغ وألم شديد!

ثمن الحب صعب لكنه يستحق، ثمن الحب أن تعطي كل من حولك مشاعر طيبة وإحساسا دائما بهم وتمنح الأمان والسعادة.. ومن يفعل ذلك فهو فارس.. ومن لا يفعل فهو خائن هارب لا يستحق الحياة!

قيمة الحب أنه لا يباع على أرفف السوبر ماركت ولا في محلات العطارة، فنشتري “علبة حُب” أو “قرطاس حُب”.. قيمته أنه مخلوق يعيش في نقطة ما داخلنا دون أن نراه.. ومن يصل له يصل إلى معنى الحياة.

أشياء كثيرة سرقت من حياتنا الحب كما سرقت تفاصيله.. وتحولنا إلى عالم صغير نتبادل فيه المشاعر الدافئة بالموبايل والإيميل والبلاك بيري.. يجلس الأصدقاء على مقاه عصرية باردة يشاهدون قنوات “ميلودي” ويشربون الكاباتشينو ويمارسون شات على الإنترنت، ولا يتبادلون كلمة عن أحلامهم.. مع أن الحلم.. حب، ومن يعرف كيف يحلم.. يعرف كيف يحب نفسه وكيف يحب الأخريين!

يصمت الأزواج في المساء أمام برامج التوك شو أو فيلم عربي على “روتانا سينما”.. يواصلون حالة التبلد الصباحية ويستكملون وجبة النكد اليومية.. يطمئنون أن الأولاد ناموا دون ضجيج أو طلبات!

تأكل العائلات لأنها يجب أن تأكل وليس لأن في طقس الطعام كثيرا من الحب والود والدفء.. فيلتهمون ساندويتشات التيك أواي أو قطع البيتزا.. ويستمر البرد!

تمارس إجازات نهاية الأسبوع في المولات المغلقة التي لا تدخلها الشمس، وتأتي لها رحلات أسبوعية من الأقاليم البعيدة.. يتركون الطبيعة والشوارع ويختفون في طرقات مخنوقة حتى لا يرى أحد الحياة!

وهكذا.. نهرب طول الوقت من كل نسائم الحب وتفاصيله ورحابته وسمائه القريبة.. لنختبئ من أنفسنا ونتوه وننسى.. هل نحن نكره أنفسنا؟

حين نعذب أنفسنا بهذه الطريقة، فنفضل أن نرى الشمس من نافذة صغيرة دون أن نتمرغ في دفئها وسحرها!

لا أريد.. أن نعيش يوما آخر بدون حب.. أن نخسر يوما لأننا لا نريد أن نعترف أن للحب قوة مذهلة على التغيير وفي الحب قدرة رائعة على الاستمتاع بالحياة.. وأن بالحب يمكن أن نحول الأيام العابرة إلى أيام لا تنسى!

الحب ليس رفاهية مؤجلة لأن ليس هذا وقتها وإنما وقت الخبز والماء والحليب ودروس الأطفال.. الحب يجب أن يكون حاضرا دائما في كل وقت لأنه طاقة تساعدنا في طريقنا إلى البحث عن رغيف الخبز والماء والحليب ودروس الأطفال!

نحن في مفترق طرق الآن لأننا حائرون في الحب، نحب أو لا نحب، نحب أنفسنا أو لا نحب، نحب شركاء حياتنا أو لا نحب، نحب أعمالنا أو لا نحب، نحب شوارعنا أو لا نحب، نحب بلدنا أو لا نحب، نحب بيوتنا أسماءنا أيامنا.. أو لا نحب..

هاربون من الحب.. خائفون منه وخائفون عليه!

الحب.. هو قدرتك على أن ترى الحياة بشكل مختلف أجمل من كل أوقاتك الأخرى.. وأن ترى نفسك أكثر صحة وسعادة ورضا وحيوية!

في كل وقت يجب أن يظل الحب حاضرا.. ننظر منه إلى الأيام التي لم تأت بعد.

اخترنا لك