كتاب اليقظة

فنجان قهوة بقلم: يسري الفخراني

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

يسري الفخراني

أسرار الحب في حياة امرأة الخمسين!

هل يختلف الحب في قلب امرأة في العشرين عن امرأة في الثلاثين عن امرأة في الخمسين أو ما بعد،  كنت هناك أرصد هذه الخطوط المتقاطعة في الحب إذا تشابكت سنوات العمر..

في الحب.. كانت خيبات جيجي العمر كله مثل زخات المطر!

هي حين تحكي عن خمسين عاما.. عمرها.. تشهد أن الله لم يهبها الحب إلا نصف مرة،  نصف حب كان على شاطئ العجمي في صيف كان قصيرا قصيرا،  بدأ في سبتمبر وانتهى في سبتمبر،  لم أخطئ كتابة أسماء الشهور.. بدأ الحب في الأسبوع الأول من سبتمبر وانطوى في نهاية الأسبوع ذاته،  جيجي وعيناها تحت أضواء النيل تلمع وكانت تتمشى تتسكع، ترقص على الرصيف الذي يحمل أشجارا تحمي الحروف الأولى من أسماء عشاق مروا من هنا.. تقف فجأة فتواجه ياسمين التي تنصت لها بكل حواسها وهي تؤكد: نعم،  نصف حب.. انطوى، انطوى كما رواية قصيرة نغلق غلافها فجأة في منتصف صفحاتها على أمل أن نعود لها.. فلا نعود!.. ظروف.. هي ظروف.. ظروفي.. ظروفه.. ظروفنا،  يآه ه ه ه.. كم تتحمل الظروف أعظم مأساة في حياتنا في صمت وكبرياء!

ثم تسير، تكاد تجري فتهتف في ياسمين: ياسمين.. يا شجرة الياسمين التي مازالت في أول مواسمها لا تطوي حبك.. حبي بكل ما فيك.. بكل نقطة في دمك.. بكل لحظة في نبضك.. بكل شهقة يتبعها شهد عسل.

وتجلس على كرسي خشب متهالك، من كثرة من جلسوا عليه أمام منظر النيل في ليل طويل.. وتبكي.. هل هذا كرسي اعتراف العشاق بالدموع،  وتقول لياسمين وهي تمسح ما تبقى من دموع وكحل وبريق: كان يجب ألا أطوي حب عمري.. كان يجب أن أكمل القصة.. أجري فتجري نصف القصة السبتمبرية العابرة إلى منتهاها في ديسمبر.. يناير.. مارس.. المهم أن تتم.. تكتمل،  كان يجب أن تكتمل مهما كان الثمن.. أنا التي تصورت أن فى العمر عمرا طويلا.. ورسم لي غروري قلبا يتسع من الحب.. ألف حب،  فهزمت الحب وكان زهرة تتفتح.. وقلت وأنا أعد النجوم قبل النوم من نافذتي.. غدا حب جديد!

قالت جيجي في تلك الليلة كلاما كثيرا.. كانت تتلو على ياسمين وصاياها في الحب كما يجب أن ندافع عنه: إذا جاء الحب استفت قلبك،  في الحب.. لا تترددي في إعلان مشاعرك،  الحب ـ ياياسمين ـ لايؤجل ولا يطوى،  لا يقف أمام الحب شيء إلا رغبتنا في الانسحاب خوفا منه،  ياسمين.. إذا كان حبيبك أسمر، فأنت محظوظة برجل نادر يكتسى جلده بمشاعر فياضة،  ياسمين.. لا يعترف الحب بفارق السنوات التي تسبقيه إليها.. هل تعرفين أن الحب ينفخ في فوارق العمر فيجعلها هباء.. كأن لم تكن!

كان حماس جيجى للحب المشتعل في قلب ياسمين كبيرا..لا يقاس ولا يفسر.. إلا لو قلت بالنيابة عنها إنها تخبئ في قلب ياسمين أمنية حب مفقود لم تعشه، وكانت ياسمين هي الرحم البديل الذي يمكن أن يثمر قصة.. قصة كبيرة كانت تود لو أنها هي بطلة الرواية.

جيجي.. كانت تستحق حبا عظيما.. امرأة في شفافية مشاعرها كانت تجب أن تتعذب بحب عميق يضع على شعرها الذهبى تاجا من ورد ويفرش تحت قدميها بحرا من رمال ناعمة تدغدغها وتنصهر في دفئها فتذوب في فيضان.. يتبعه إغماء لذيذ.

لكنها بدلا من أن تحب.. تدللت،  فذهب الحب وترك لها مايشبه الحب،  ما يشبه ملايين المعزوفات الناقصة التي لا تطرب لكنها تنجب أطفالا تحتويهم حوائط باردة!

لا تريد جيجى لياسمين أن تكرر مقطوعتها الموسيقية الناقصة.. تريدها أن تخطف الحب وتتحدى،  وتعبر به كما جنية البحر سبعة بحور.. فتصبح عروس حب!

في الأيام التالية.. في الأيام التي جاءت بعد أن حكت ياسمين لوصيفتها في الحب قصتها مع الحب.. بدت ياسمين أصغر من كل السنوات السابقة.. بدت أقرب إلى الخامسة والعشرين عمرا من الثالثة والثلاثين.. وطل يوسف في مشهده العشريني عاقلا متزنا كبركان مسحور!

ما أجمل الحب حين يصنعنا من قالب واحد.. ويضعنا في قارب واحد.. ويحبنا حبا واحدا..

قال يوسف لياسمين: هل أقول لك سرا.. بشرط أن تصدقي ما أقوله؟

قالت ياسمين ببريق يشبه دمعتين في عينيها..وعد.

قال يوسف وهو يختصر المسافة إلى أنفاسها المتلاحقة: أحببتك.. قبل أن نلتقي.. قبل أن أعرفك.. كنت أنتظرك أنت.

قالت ياسمين بدهاء أنثى مشتاقة إلى الكلمات الحلوة: يا شقي!.. هل تريد أن أصدق أنني الأولى؟

قال يوسف منتحلا وقار رجل مجرب:.. كل مشاعري كانت محاولات عصفور صغير ليتعلم الطيران.. حين وجدتك لمست السماء !

قالت ياسمين وقد وجدت فرصة لاختباره لا تعوض: في الحياة بنات حلوة تخطف عقل أي طائش مثلك؟

قال يوسف موحيا أنه فسر مخاوفها.. لكن قلبي اختار شجرة الياسمين!

حكت جيجي لزوجها قصة ياسمين لعل وعسى،  لعله ينهض من صمته المرهق،  عسى أن يبل ريقها بكلمة تحرك سنواتها الخمسين إلى الخلف عاما أو اثنين ولو للحظة.. أزداد صمته.. ثم نطق كلمة واحدة: حب.. ها !،  وهل هذا حب أصلا؟ شاب في عمر ابنك.. يحب عانسا، أقسم أنها تقترب من الأربعين عاما،  هل تصدقين،  هل تباركين ابنك لو جاء وقال لك أنا أحب ياسمين!

سكتت جيجي وتدللت دفاعا عن قصتها التي تنفخ في تفاصيلها الأمل وقالت بهمس مسموع : وماله !.. وأرقص له كمان.. ياسمين.. ياريت. وصمتت فجأة صمت من يراجع أفكاره بحثا عن الصواب والخطأ!

يوسف يحب.. لا خدعة في ذلك،  هو لا يكذب لا يتسلى لايجرب حب امرأة أكبر منه في العمر من باب التذوق أو الشهوة أو الملل أو غرامه الطفولي لأمه التي لا يجد نومه العميق حتى الآن إلا في صدرها،  هو يحب ويخطط كيف يرفع الأقنعة من فوق العيون، بعد أن طال حفل الحب التنكري الذي لم يصرح أحد من طرفيه بالحروف الأولى أو الأسماء الأولى لنصفه الثاني،  فكر بعمق كيف سيواجه أقرب الناس له.. أصدقاءه مثلا إذا قال لهم أنه يحب فتاة دخلت تقريبا في عرف المجتمع سنوات عنوستها،  لا يهم.. سيواجه حبا لحب.. متى يجد الإنسان حبا يجعله أسعد الناس فيستدير ويمضى خوفا من عواقبه،  فكر في أقرب الناس له.. أمه،  إنه حلمها الذي ما بعده حلم.. كنزها.. سنواتها الضائعة تحت غيمة الحزن والاكتئاب.. تحلم ـ كم مرة قالت له ـ إنها تحلم له بعروس تختارها وفرح ترقص فيه حتى الصباح،  ستفرح أمي.. لن تفرح أمي.. سوف أقنع أمي.. سوف تقتنع أمي.. نقطة ضعفي في هذا الحب.. أمي!

كانت لحظة المواجهة مؤجلة.. مؤجلة،  ياسمين ويوسف يعرفان حتما أن عند التقاء واقع الحال بخيال الحب.. أن شرارة ما سوف تشعل نارا في ثياب العاشقين ولو لبعض وقت!

لكن يوسف كان ينظر للسماء عند الفجر ويهمس لنفسه برضاء وهدوء: سوف أدافع عن حبي حتى النهاية.. وليفعل الله ما يشاء.

يحب الله المحبين.. وفي الصباح توزع الملائكة عطايا الرحمن حبا في من يراعي الله في قلبه وقلب من يحب.

1 Comment

Leave a Comment