Oops! It appears that you have disabled your Javascript. In order for you to see this page as it is meant to appear, we ask that you please re-enable your Javascript!

فنجان قهوة بقلم: يسرى الفخرانى

يسري الفخراني           امرأة تقاوم السرطان.. بالضحك والأمل!

أقف عن قرب، على مسافة قصيرة جدا من امرأة في الأربعين من عمرها تقاوم المراحل الأخيرة من مرض السرطان. فجأة وجدت أنني طرف في قصة هذه المرأة، زوجة صديق عمر، أم لثلاث أطفال، شاحبة بعد أن كانت متوهجة بالأمل والحياة، ترسم على كل ورقة تقابلها شمسا وقمراغ ونجوما، على كل مائدة تشخبط بزهور ووجوه أطفال. الآن.. حتما هي هنا: سرير أبيض يشبه كل ملامحها بعد صراع قصير مع مرض شرس حقيقي سرق منها اللون والقدرة على النظر من النافذة إلى سماء زرقاء بلا نهاية.

كل الأشياء في حياتنا تحدث فجأة، أصبحت مؤمنا بهذه العبارة التي كثيرا استخدمتها في وصف الأحلام الجميلة.. الآن أستخدمها في وصف ألم المرض وقسوته واحتمالات الغياب الطويلة. هي الأقوى.. ونحن الأضعف، هي تصلي وتدعو الله أن يكون رحيما بأطفالها الصغار في مشوار الحياة الصعبة، ونحن نصلي من أجلها وندعو الله من أجل أن يخفف عنها، هي تضحك وتخترع النكتة عن الدنيا التي ضحكت عليها.. ونحن نبكي سرا وعلنا!

قال لي طبيبها: المدهش دائما أن المريض الذي يتأرجح بين الحياة والموت ويعرف أن قصته تكاد تقترب من النهاية.. يكون أقوى بكثير من الإنسان بكل عافيته وصحته وانطلاقه..!

ما هو السر؟

كيف يمكن أن يمتلك إنسان على عتبة الموت كل هذه القوة والإرادة والقدرة على السخرية؟

كيف يقف فوق الضعف.. ويصبح أقوى إنسان يمكن أن تستند عليه؟

هو زاهد.. لعل قوة الإنسان تتجلى في الزهد. لا شيء يخاف عليه أغلى من عمره.. وأما وقد كتب الطبيب على ملفه الطبي أن المريض في حالة صحية متأخرة وتتطلب معجزة من الله.. فقد وصل المريض إلى المدى.. هو لم يعد يخشى موتا أو حزنا أو فشلا أو مزيدا من الخوف أو الأخبار الموحشة.. هو في دائرة صغيرة لا يدخلها إلا من يطلب المنحة الأخيرة: معجزة من الله. هذه درجة رفيعة من درجات القرب من الله سبحانه وتعالى. ولعل الله يتقبل ويمنح.

المريضة الزوجة.. كيف تمنح وصاياها إلى أطفالها. الدروس الأخيرة. ترفض أن تلتقط معهم صورا في غرفتها بالمستشفى.. ترجوهم في ابتسامة ضعيفة أن يسترجعوا صورها القديمة التي تملأ تليفونها.. لا تأكل لكنها لا تنسى أن تسألهم ماذا أكلتم؟ وماذا تريدون للطعام غدا وبعد غد؟

الأم.. لا قوة أكثر من قوة الأم وهي تصنع أمنيات أطفالها وهي تمضغ آلامها العظيمة في صمت. كثيرا قرأت عن المرأة التي تقاتل معاركها مع السرطان.. لكن أن تجد إحداهن أمامك، لحما ودما وأعصابا ومرضا وأملا.. فأنت أمام أحد أبطال الحياة بكل معنى البطولة.

هل نعرف معنى وقيمة الحياة حين نتوقف عند قصة مهولة لإنسان يتأرجح بين موت وحياة؟ أو نكون نحن أبطال هذه القصة ذاتها؟ ما قيمة أكاذيب كثيرة نمارس بها الحياة عن سهو أو قصد.. بينما يمكننا صناعة حياة حافلة لا نندم على سطر واحد كتبناه فيها؟

إننى مع الحياة.. مع الفرح والبهجة وخيمات السعادة والنجاح.. مع الرغبات الأولى في أن نعيش كل دقيقة فيها.. لكن أقف متأملا من يفقد نفسه وهو يريد أن يعيش الحياة. هذه لحظة مناسبة للتأمل بالمناسبة.

أعود إلى طبيبها لأسأله: بماذا تشعر الآن وهى تراقب وداعنا لها في صمت؟ إننا نحتفي بها أو نحتفل كما لم نفعل في حياتها السابقة وهي في أتم صحة؟

يقول لي وهو يستعيد أزمنة كثيرة ومرضى أكثر: هذه هي الحياة.. لا نعرف كيف نحتفل بوجودنا معا إلا حين يستأذن أحدنا في الانصراف. رأيت مرضى بالعشرات على نفس السرير يقسمون أن بعد الشفاء سوف يعالجون الأشياء المشوهة في حياتهم.. ثم ينسون كل دعواتهم بعد الشفاء ويعودون إلى نفس الأخطاء ونفس العادات التي تعيدهم مرضى إلى نفس السرير مرة أخرى.. ورأيت عائلات تبكي على كل يوم ضاع بدون اللمة التي فقدوها.. ثم ينتهي كل شيء بموت مريضهم أو شفائه.

هل تتصور أنها يمكن أن تشفى؟

قال لي همسا: العلم يقول لا.. لكن الطب علمني أن هناك دائما أملا في الله.. حالات ليست قليلة استعادت روحها في أيامها الأخيرة وعاشت على عكس توقعات الأطباء.. وأقول لك: رحل الأطباء وبقي المرضى!

نعم السماء أقرب من أقرب طبيب على الأرض.

داخل كل إنسان قوة على طلب النجاة.. أكثر من قدرته على السباحة بنفسه إلى شاطئ أمان. وأنا أعتقد أن مريضة الغرفة 999 لديها طاقة على طلب النجاة من الله.. فهي تملأ قلبها بالإيمان.. فهذا أغلى ما تملك بعد أن رفع الأطباء مشرط الجراحة عن جسدها وأصبح العلاج الكيماوي مجرد راحة ضمير.

إن ملايين النساء في العالم يصبن بالسرطان.. إنه العدو الذي يسير خلف كل امرأة.. لكن ملايين النساء أيضا يهزمن السرطان بشجاعة وإيمان يسبق أي علاج. العلاج من السرطان يحتاج إرادة وإيمانا.. لا يحتاج ضعفا ويأسا وهزيمة مبكرة.

كيف يمكن أن نشجع مريضات السرطان أن يصرخن لكي يبتعد المرض عن أجسادهن الواهنة؟ كيف يمكن أن نقدم مئات القصص الحقيقية لنساء كن على الحافة.. لكن صبرهن وقوة إيمانهن بالله واحتياجهن للبقاء من أجل أطفالهم منحهن الشفاء؟

إنني أتمنى أن يكون لدينا بنك لقصص شفاء مريضات السرطان صوتا وصورة.. ليحكين لكل امرأة كيف اكتشفت المرض وكيف هزمت المرض.. نحن في احتياج لهذه القصص لكي تتعلم المرأة كيف تحافظ على جسدها وكيف تكتشف الإصابة مبكرا وكيف تقاوم الموت بالحياة؟

إننى متطوع من اليوم لإنشاء هذا البنك.. من يرغب فى أن يكون معى.

ادعو لمريضة الغرفة 999 بالشفاء.. ولكل مريضة بالشفاء. يا رب.. أنت القادر على كل شيء.. ولكل داء عندك دواء ولكل يأس عندك أمل.

اخترنا لك